أَي: يتعظ وَيخَاف.
فَإِن قيل قَوْله {لَعَلَّه} تطميع، فَكيف يطمعهما فِي إِسْلَامه، وَقد قدَّر أَنه لَا يسلم؟
قُلْنَا مَعْنَاهُ: اذْهَبَا على رجائكما وطمعكما، وَقَضَاء الله وَرَاء أمركما، وَقَالَ بَعضهم: قد تذكر وَخَافَ، إِلَّا أَنه حِين لم تَنْفَعهُ التَّذْكِرَة وَالْخَوْف، وَقد بَينا فِي سُورَة يُونُس.
وَفِي قَوْله: {فقولا لَهُ قولا لينًا} كَلِمَات مَعْرُوفَة:
قَالَ بَعضهم: هَذَا رفقك بِمن يَقُول: أَنا الْإِلَه، فَكيف رفقك بِمن يَقُول: أَنْت الْإِلَه.
وَهَذَا رفقك بالكفار، فَكيف رفقك بالأبرار؟
وَهَذَا رفقك بِمن جحدك، فَكيف رفقك بِمن وَحَّدك.
وَهَذِا تحببك إِلَى من تعاديه، فَكيف إِلَى من تواليه وتناديه؟
قَوْله تَعَالَى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) }
«فإنْ قيلَ» : فِي الِابْتِدَاء لم نخرج عَن الأَرْض، فَكيف قَالَ: {تَارَة أُخْرَى} ؟
قُلْنَا مَعْنَاهُ: وَمِنْهَا نخلقكم تَارَة أُخْرَى، فَيصح الْمَعْنى على هَذَا.
قَوْله تَعَالَى: {قَالَ بَلْ أَلْقُوا}
يَعْنِي: ابتدءوا أَنْتُم بالإلقاء.
«فَإِن قَالَ قَائِل» : إلقاؤهم كَانَ كفرا وسحرا، فَهَل يجوز أَن يَأْمُرهُم مُوسَى بالإلقاء الَّذِي هُوَ سحر وَكفر؟
الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن هَذَا أَمر بِمَعْنى الْخَبَر، وَمَعْنَاهُ: إِن كَانَ إلقاؤكم عنْدكُمْ حجَّة فَألْقوا، وَالثَّانِي: أَنه أَمرهم بالإلقاء على قصد إبْطَال سحرهم بِمَا يلقي من عَصَاهُ، وَهَذَا جَائِز.
قَوله: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ}
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَقد جَاءُوا مختارين، وحلفوا بعزة فِرْعَوْن أَن لَهُم الْغَلَبَة على مَا ذكر فِي مَوضِع آخر؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: كَانَ فِرْعَوْن يجْبر قوما على تعلم السحر؛ لكيلا يذهب أَصله، وَكَانَ قد أكرههم فِي الِابْتِدَاء على تعلمه، فأرادوا بذلك.
وَقَوله: {وَالله خير وَأبقى}