ومن لطائف ونكات تفسير ابن الجوزي:
قوله تعالى: (أَكادُ أُخْفِيها)
«فَإِنْ قِيلَ» : فما فائدة هذا الإِخفاء الشديد؟
فالجواب: أنه للتحذير والتخويف، ومن لم يعلم متى يهجم عليه عدوُّه كان أشد حذراً.
وقرأ سعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، وأبو رجاء العطاردي، وحميد بن قيس: «أَخفيها» بفتح الألف، قال الزجاج: ومعناه: أكاد أظهرها، قال امرؤ القيس:
وإن تَدفِنُوا الدَّاءَ لا نَخْفِهِ ... وإِنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نقعد
أي: إِن تدفنوا الداء لا نُظهره.
قال: وهذه القراءة أَبْيَن في المعنى، لأن معنى «أكاد أُظهرها» قد أخفيتُها وكدت أُظهرها.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الفائدة في سؤال الله تعالى له: (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ) وهو يعلم؟
فعنه جوابان:
أحدهما: أن لفظه لفظ الاستفهام، ومجراه مجرى السؤال، يجيب المخاطَب بالإِقرار به، فتثبت عليه الحجة باعترافه فلا يمكنه الجحد، ومثله في الكلام أن تقول لمن تخاطبه وعندك ماء: ما هذا؟
فيقول: ماءٌ، فتضع عليه شيئاً من الصبغ، فإن قال: لم يزل هكذا، قلت له: ألست قد اعترفت بأنه ماء؟
فتثبت عليه الحجة، هذا قول الزجاج.
فعلى هذا تكون الفائدة أنه قرَّر موسى أنها عصاً لمّا أراد أن يريَه من قدرته في انقلابها حيَّة، فوقع المُعْجِز بها بعد التثبت في أمرها.
والثاني: أنه لما اطَّلع الله تعالى على ما في قلب موسى من الهيبة والإِجلال حين التكليم، أراد أن يؤانسه ويخفف عنه ثِقَل ما كان فيه من الخوف، فأجرى هذا الكلام للاستئناس، حكاه أبو سليمان الدمشقي.
«فَإِنْ قِيلَ» : قد كان يكفي في الجواب أن يقول: «هي عصاي» فما الفائدة في قوله: ( «أتوكَّأُ عليها» إِلى آخر الكلام، وإِنما يُشرح هذا لمن لا يعلم فوائدها؟
فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه أجاب بقوله: «هي عصاي» فقيل له: ما تصنع بها؟
فذكر باقي الكلام جواباً عن سؤال ثانٍ، قاله ابن عباس، ووهب.