(فصل)
قال الحَلِيمي:
وإذا أحيى الله تبارك وتعالى الناس كلهم، قاموا بمجلس ينظرون ما يراد بهم، لقوله: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} وقد أخبر الله - عز وجل - عن الكفار أنهم يقولون: {ياوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} وإنهم يقولون: {ياوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ} فتقول الملائكة: {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} .
ثم يعرض الجميع إلى موقف العرض والحساب وهو الساهرة.
قال الله عز وجل: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ} .
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «عليكم بالشام أرض المحشر والمنشر» ويقال: أن الساهرة أرض معروفة عند بيت المقدس.
والساهرة عند أهل اللغة وجه الأرض.
ومعنى فإذا هم قد صاروا على وجه الأرض بعد أن كانوا في جوفها.
قيل الساهرة صحراء قرب شفير جهنم والله أعلم.
وقد جاء في صفة الحشر في قول الله عز وجل: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) } .
أخبر منها ما روى النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - في قوله عز وجل: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً} قال إما أنهم ما يحشرون على أقدامهم ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يؤتون بنوق من فوق ينظر الخلائق إلى مثلها، رحالها الذهب، وزمامها الزبرجد، فيقعدون عليها حتى يقرعوا باب الجنة.
وسمي المتقون وفداً لأنهم يسبقون سائر الناس إلى حيث يدعون إليه، فإنهم يكونون على نجائب تسرع بهم، ومع ذلك لم يعلموا أن قدومهم على ما يسرهم فهم المتبطئون، لكنهم يجدون ويسرعون، والملائكة تتلقاهم بالبشارات.
كما قال عز وجل: {وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} فيزيدهم ذلك إسراعاً.
وإنما فسرنا الوفد إذ ذكرنا لأن الوافد في الإبل والقطا وغيرهما مما سبق سائر الصنوف في طيرانه ووردوه.
قال كثير من أهل العلم باللسان: وحق للمتقين أن يكونوا سابقين إلى المحشر، لأنهم كانوا يسبقون المخلطين في الدنيا إلى الطاعات، ويفوتون الظالمين فينبغي لهم أن يشعروا إذا خرجوا من قبورهم بشعارهم، فيكونون هم السابقين إلى موضع الحساب والجزاء.