{كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) }
{كاف. ها. يا. عين. صاد} ..
هذه الأحرف المتقطعة التي تبدأ بها بعض السور، والتي اخترنا في تفسيرها أنها نماذج من الحروف التي يتألف منها هذا القرآن، فتجيء نسقاً جديداً لا يستطيعه البشر مع أنهم يملكون الحروف ويعرفون الكلمات، ولكنهم يعجزون أن يصوغوا منها مثل ما تصوغه القدرة المبدعة لهذا القرآن.
وبعدها تبدأ القصة الأولى. قصة زكريا ويحيى. والرحمة قوامها. والرحمة تظللها. ومن ثم يتقدمها ذكر الرحمة: {ذكر رحمة ربك عبده زكريا} ..
تبدأ القصة بمشهد الدعاء. دعاء زكريا لربه في ضراعة وفي خفية:
{إذ نادى ربه نداء خفياً. قال: رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا، ولم أكن بدعائك رب شقياً. وإني خفت الموالي من ورائي وكانت أمرأتي عاقراً، فهب لي من لدنك ولياً، يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله رب رضياً} ..
إنه يناجي ربه بعيداً عن عيون الناس، بعيداً عن أسماعهم. في عزلة يخلص فيها لربه، ويكشف له عما يثقل كاهله ويكرب صدره ويناديه في قرب واتصال: {رب .. } بلا واسطة حتى ولا حرف النداء. وإن ربه ليسمع ويرى من غير دعاء ولا نداء ولكن المكروب يستريح إلى البث، ويحتاج إلى الشكوى. والله الرحيم بعباده يعرف ذلك من فطرة البشر، فيستحب لهم أن يدعوه وأن يبثوه ما تضيق به صدورهم. {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} ليريحوا أعصابهم من العبء المرهق، ولتطمئن قلوبهم إلى أنهم قد عهدوا بأعبائهم إلى من هو أقوى وأقدر؛ وليستشعروا صلتهم بالجناب الذي لا يضام من يلجأ إليه، ولا يخيب من يتوكل عليه.