(فصل)
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
واختلفوا في مدة حملها على أقوال:
أحدها: ساعة واحدة، حملت به ثم وضعته في الحال؛ قاله ابن عباس.
والثاني: ثلاث ساعات، حملت به في ساعة، وصُوِّرَ في ساعة، ثم وضعته في ساعة حين زالت الشمس؛ قاله مقاتل.
والثالث: تسع ساعات، قاله الربيع بن أنس.
والرابع: ستة أشهر؛ أدنى مدة الحمل؛ قاله مجاهد، وذكرهُ الماوردي.
والخامس: سبعة أشهر؛ قاله أبو جعفر الطبري وعكرمة.
والسادس: ثمانية أَشهر، قاله الزجَّاج، وكان ذلك آيةً لعيسى عليه السلام، لأنه لا يعيش مولود لثمانية أشهر.
والسابع: تسعة أشهر؛ الحمل المعتاد، قاله أبو جعفر الطبري والحسن وابن جبير.
والثامن: يومًا واحدًا.
والوجه الأول أصحُّ، لوجوه:
أحدها: أن الآية دليل عليه، وهي قوله: {فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ} [مريم: 22 - 23] ، وكل هذا على الفور.
والثاني: لأنه أبلغُ في المعجزة.
والثالث: لأنَّ ابن عباس نصَّ عليه.
وقال ابن إسحاق: مشت ستة أميال فرارًا من قومها، مخافة أن يُعيِّروها بولادتها من غير زوج.
{فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ} أي: فأخذها، وهو وجع الولادة والطلق.
{قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} الأمر أو اليوم، قالته حياء من الناس، واختلفوا في معناه:
قال الحسن: قبل نزول هذه الحادثة العظيمة، وهي وجود ولد من غير أب.
وقال مجاهد: قالته شفقة على الخلق، ومعناه: يا ليتني مِتّ قبل أن يخرج مني ولد يُعبَدُ من دون الله، فيدخلُ النارَ بسببه خلقٌ كثير.
وقيل: معناه: يا ليتني مِتُّ قبل أن يجيء من يشغلني عن الله.
وقيل: إنما مضَّها وجع الولادة فقالت ذلك.
وقيل: لما كنتُ في محرابي كان يأتيني رزقي من غير تعبٍ، والآن فقد صرت محتاجةً إلى السبب، يا ليتني مِتُّ قبل هذا.
وقيل: نفاس وعدو وخوف ووجع، يا ليتني مِتُّ قبل هذا، قالهما مقاتل.
{وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم: 23] أي: لم أكن شيئًا.