فصل فِي مَعانِى السُّورةِ كامِلةً
قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني:
سورة مريم
مكية.
وهي ثمان وتسعون آية في غير عدد أهل مكة وإسماعيل. والله أعلم بذلك.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
1 - {كهيعص:} ابن عباس: هذه الحروف ثناء أثنى الله بها على نفسه، قال: كاف هاد عليّ صادق. وروي عن ابن عباس: كاف من كريم، وها من هاد، ويا من أمين، وعين من عليم، وصاد من صادق. وعن سعيد بن جبير قال: كاف هاد أمين عالم صادق. قال الأمير: ويحتمل كفيناك هديناك يمنّاك علّمناك صدّقناك، أو عصمناك، وأصلحناك. ويحتمل:
أنّه يتّصل بما بعده، والتقدير: كتابنا هدانا بها العالم الصادق.
و 3 - {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا} ... {نِداءً خَفِيًّا:} قال عليه السّلام: «خير الدّعاء الخفيّ، وخير الرزق ما يكفي» .
4 - {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ:} شبّه بياض الشعر باشتعال الفتيلة.
{بِدُعائِكَ:} بعبادتك.
{شَقِيًّا:} وإنّما قال ذلك لأحد معان أربعة: إما لنفي ما أصابه من وهن العظم، وشيب الرأس أن يكون أصابه لمقاساته شدّة العبادة، واحتماله أعباءها كما في نبيّنا عليه السّلام
{طه (1) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى} (2) [طه:1 - 2] ، وإما لنفي الخيبة عن نفسه، فإنّ الخائب هو الشقيّ، فكأنّه يقول: لم أكن بسبب عبادتي إيّاك، وإيماني بك خائبا من لطائف صنعك، وإمّا لنفي الكفر عن نفسه، فكأنّه يقول: لم أكن بعبادتك وتوحيدك كافرا، فأنا متوسّل بذلك إليك، وإمّا لنفي الحرمان عن نفسه، فكأنه يقول: لم أكن في عبادتك محروما، فإنّك وفّقتني لها، ويسّرتها عليّ لأستأهل إجابة الدعوة منك.
5 - {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ:} أن ينقرضوا، فإنّهم قد خفّوا وقلّوا، وأراد بنو الأعمام دون ذوي الأرحام.
{يَرِثُنِي:} العلم والكتاب، فإنّ الأنبياء عليهم السّلام لم يورّثوا دينارا ولا درهما، وإنّما ورّثوا العلم، فمن أخذ العلم فقد أخذ بحظ وافر. ويحتمل: أنّه أراد رتبة الحبورة، وشرف النبوّة (206 و) فإنّهما يختصّان بأهل بيت النبيّ عليه السّلام، ويحتمل: أنّه أراد النبوّة بعينها، أي: اجعله اللهمّ وارثا نبوّتي.
{رَضِيًّا:} مرضيّ السيرة في حبورته وشرفه بخلاف الأحبار الذين يرتشون، ويحرّفون، ويبدّلون، وبخلاف الأشراف الذين يتعاطون ما يحطّ من شرفهم، أو اجعله نبيّا يرتضيه الناس، فيؤمنوا به.
{عَلَيَّ هَيِّنٌ:} يسير غير ممتنع.