وأما قوله: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} فإن صحت قراءة (وكان أمامهم ملك) فلها معنى لا يناقض القراءة العامة
،وهو أن الملك كان خلف ظهورهم وكان مرجعهم عليه فهو وراءهم في ذهابهم، وأمامهم في مرجعهم.
فالقراءتان بالاعتبارين. والله سبحانه وتعالى أعلم ..
{وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) }
(فائدة)
قال ابن القيم - بعد كلام طويل عن تَفْسِيرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رحمه الله - لِلْفِطْرَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ:
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «فِي الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ:"أَنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا» "فَمِثْلُ ذَلِكَ سَوَاءً.
وَ"كَافِرًا"حَالٌ مُقَدَّرَةٌ لَا مُقَارَنَةٌ، أَيْ طُبِعَ مُقَدَّرًا كُفْرُهُ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي حَالِ كَوْنِهِ جَنِينًا وَطِفْلًا لَا يَعْقِلُ كُفْرًا وَلَا إِيمَانًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلِمَ قَتَلَهُ الْخَضِرُ؟ فَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ لِمُوسَى: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82] ، فَاللَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُ بِقَتْلِ ذَلِكَ الْغُلَامِ لِمَصْلَحَةٍ، وَأَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْكَفِّ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَالذُّرِّيَّةِ لِمَصْلَحَةٍ، فَكَانَ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ مَصْلَحَةٌ، وَحِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ يَشْهَدُهَا أُولُو الْأَلْبَابِ.
ثم قال:
وَأَمَّا قَوْلُهُ:"إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا"، فَالْمُرَادُ بِهِ كُتِبَ وَخُتِمَ، وَلَفْظُ الطَّبْعِ لَمَّا كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي الطَّبِيعَةِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْجِبِلَّةِ وَالْخَلِيقَةِ ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّ هَذَا مُرَادُ الْحَدِيثِ.