وقال العلامة الكرماني رحمه الله:
[19] سورة مريم
* قوله تبارك وتعالى: وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا، وبعده: وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا؛ لأن الأول: في حق يحيى عليه السّلام. وجاء
في الخبر عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: «ما من أحد من بنى آدم إلا أذنب، أو همّ بذنب إلا يحيى بن زكريا [عليهما السّلام] »
فنفى عنه العصيان.
والثانى: في حق عيسى عليه السّلام فنفى عنه الشقاوة وأثبت له السعادة والأنبياء عندنا معصومون عن الكبائر غير معصومين عن الصغائر.
* قوله تعالى: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ في قصة يحيى، وَالسَّلامُ عَلَيَّ في قصة عيسى، فنكّر في الأول: وعرّف في الثانى؛ لأن الأول من الله [عز وجل] والقليل منه كثير، كما قيل:
قليل منك يكفينى ولكن ... قليلك لا يقال له قليل
ولهذا قرأ الحسن: «اهدنا صراطا مستقيما» أي: نحن راضون منك بالقليل.
ومثل هذا في الشعر كثير. قال:
وإنى لأرضى منك يا هند بالذي ... لو أبصره الواشى [لقرت] بلابله
بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله
والثانى من عيسى [عليه السّلام] ، والألف واللام لاستغراق الجنس، ولو أدخل عليه التسعة والعشرين والفروع المستحسنة والمستقبحة/ لم يكن يبلغ عشر معشار سلام الله [تعالى] عليه.
ويجوز أن يكون ذلك من وحى الله [عز وجل] عليه، فيقرب من سلام يحيى.
وقيل: إنما أدخل الألف واللام لأن النكرة إذا تكررت تعرّفت.
وقيل: نكرة الجنس ومعرفة الجنس سواء، تقول: لا أشرب ماء، ولا أشرب الماء فهما سواء.
* قوله تعالى: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وفى «حم» : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا؛ لأن الكفر أبلغ من الظلم، وقصة عيسى في هذه السورة مشروحة. وفيها ذكر نسبتهم إياه إلى الله [تعالى] حين قال: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ. فذكر بلفظ الكفر. وقصته في الزخرف مجملة، فوصفهم بلفظ دونه، وهو الظلم.
* قوله تعالى: وَعَمِلَ صالِحاً، وفى الفرقان: وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً؛ لأن في هذه السورة أوجز في ذكر المعاصى فأوجز في التوبة. وأطال هناك فأطال. انتهى انتهى. {أسرار التكرار فِي القرآن صـ 135 - 137}