ومن لطائف ونكات التفسير الوسيط لطنطاوي:
سورة مريم
(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا(8)
«فإن قيل» :"ما المراد باستفهام زكريا - عليه السلام - مع علمه بقدرة الله تعالى على كل شيء؟"
فالجواب أن استفهامه إنما هو على سبيل الاستعلام والاستخبار، لأنه لم يكن يعلم أن الله تعالى سيرزقه بيحيى عن طريق زوجته العاقر، أو عن طريق الزواج بامرأة أخرى، فاستفهم عن الحقيقة ليعرفها.
ويصح أن يكون المقصود بالاستفهام التعجب والسرور بهذا الأمر العجيب حيث رزقه الله الولد مع تقدم سنه وسن زوجته.
ويجوز أن يكون المقصود بالاستفهام الاستبعاد لما جرت به العادة من أن يأتي الغلام مع تقدم سنه وسن زوجته. وليس المقصود به استحالة ذلك على قدرة الله تعالى لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء.
قوله: {وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً}
أي: وأعطيناه بقدرتنا وفضلنا {الحكم} أي: فهم الكتاب والعمل بأحكامه، وهو في سن الصبا.
قيل: كان سنه ثلاث سنين، وقيل سبع سنين.
قال الآلوسي:"أخرج أبو نعيم، وابن مردويه، والديلمى، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في ذلك:"أعطى الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين"."
وقال الجمل في حاشيته:""
«فإن قلت» : كيف يصح حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا؟
قلت: لأن أصل النبوة مبنى على خرق العادات. إذا ثبت هذا. فلا تمنع صيروة الصبى نبيا. وقيل: أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير...
والذي تطمئن إليه النفس وعليه جمهور المفسرين أن المراد بالحكم هنا: العلم النافع مع العمل به، وذلك عن طريق حفظ التوراة وفهمها وتطبيق أحكامها.
قال ابن كثير: {وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً} أي: الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه، وهو صغير حدث.
قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا. قال: فلهذا أنزل الله: {وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً} .
(وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا(71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)
وللعلماء أقوال متعددة في المراد بقوله - تعالى {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} .