[من روائع الأبحاث]
(فصل)
قال السُّرَّمَرِّي:
فإن قيل: إن يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسّلام أوتي الحكم صبيّاً, وكان يبكي من غير ذنب, ويواصل الصّوم, قيل: ما أعطي محمّد - صلى الله عليه وسلم - أفضل, فإن يحيى - عليه السلام - وُلد في حجر الصالحين والأنبياء - عليه السلام - ولم يعرف غير عبادة الله تعالى وتوحيده, ومحمد - صلى الله عليه وسلم - تَربّى في مكّة بين قوم جاهليّة أصحاب أصنام وأوثان لا يعرفون عبادة الله تعالى فأُعطي الإيمان وعُصم من عبادة الأوثان ومداخلة أهل الشرك والضلال, فلم يعكف معهم على صنم, ولا دخل بينهم على وثن, وليس عجيباً نسك من رَبِيَ في حجر النبوة وتردد بين الصالحين ونشأ بين العباد المجتهدين وقد كان أبواه بالمنزلة الرفيعة من العبادة فاعتاد من صغره على الخير كما قيل:
يَنشَأ الصغير على ما كان والده إن العروق عَليها يَنبُت الشّجر
وقال محمد - صلى الله عليه وسلم -: «المرء على دين خليله فانظر من يخالل» ولكن العجب من محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي نشأ بين أهل الكفر, وتربّى بين عبدة الأوثان, ونشأ عِندَ جاهلية جهلاء, لا يرون ديناً غير عبادة الأصنام, ولا يعرفون غير ذلك, فغلبت العناية الإلهيّة والتّربية الربانيّة على تأثير الجليس السّوء في المجالس, حتى غلبت رائحة مسك الجليس الصّالح على شرر نافح كير الكفر فأطفأه, وطفا نورُ الإيمان ورَسا, وطَفِئَ جَمْر الشرك ورسَب, فكان إذا مرّ بمكان فيه شيء من أوثانهم أعرض وعرج عنه, وأُلهِمَ من صغره التوحيدَ وبُغضَ الأصنام وما كان عليه المشركون؛ فهذا أعظم من حال يحيى عليه الصلاة والسلام, فإنه نشأ بين أبويه يتأدّب بأدبهما, ويأخذ عبادة ربّه عنهما, ولم يكن له جليس إلا أهلُ الزّهد والعبادة, وفرق عظيم بين من أوتي الحكمة وهو في حجر النّبوّة وكنف أهل العلم والدّين وبين من أوتيها وهو بين أهلِ الكفر والإشراك وعدم من يوحّدُ الله تعالى ويعبده.