وأما قوله في قصة عيسى، عليه السلام (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) (مريم: 32) فملحوظ في ذلك ما جرى لأتباعه، عليه السلام، وما وقعوا (فيه) من العظيمة حين قالوا: هو ابن الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراًن فاستحقوا الوصف بالشقاء بمقالهم، والشقي مستحق لاعذاب الأخراوي. وإلى السعادة والشقاء انقسام العالم في الآخرة، قال تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) (هود: 105) ، فهما طرفا حصر العالم في الآخرة وهذا كقوله:
(فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) (التغابن: 2) ، فلما لحظ في قصة عيسى، عليه السلام، عصمته من الرضا بما وقع فيه أتباعه ناسب ذلك نفي صفة الضالين، ممن توهم أنه ممن اتبعه، لتبرأ، عليه السلام، من حالهم كما يتبرأ حين يقول في الآخرة: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ) (المائدة: 117) ، فقد وضح ورود كل من الوصفين على أجل النظم وأتم المناسبة، وإن عكس الوارد لا يمكن، والله أعلم. انتهى انتهى. {ملاك التأويل صـ 325 - 326}