ويستنكر الشقيُّ أن يكون إسماعيل عليه السلام رسولاً نبياً طبقاً لما جاء في سورة"مريم"/54، قائلاً:"كيف يكون إسماعيل نبياً، والتوراة تصفه في"تكوين"/ 16/ 12:"وإنه يكون إنساناً وحشياً: يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه"؟" (ص 40) . وإننا لنسأل: وهل في هذا النص أن الله حَرَمَه من النبوة؟ وهذا إن صدّقنا إنه نص صحيح، وهو ما لا يدخل عقولنا أبداً. كيف ذلك؟ تعالوا لنتفحص النص عن قرب ونجول جولة في بعض أسفار الكتاب المقدس لنرى مدى منطقية ما يقول.
وأول شيء يستلزم أن نقف حياله هو أن هذه العبارة التي استشهد بها ذلك التعيس هي جزء من بشارة ملاك الرب لهاجر أم إسماعيل (عليها وعلى ابنها السلام رغم أنف الحقَدة من بني إسرائيل ومن يشايعونهم في هذا الحقد عليهما) ، وذلك حين هربت من المعاملة المذلّة التي كانت تعاملها بها سارة عليها السلام حسبما يقول كاتب سفر"التكوين". وهذه هي بشارة الملاك كاملة:"لأُكَثًرنً نسلك تكثيراً حتى لا يُحْصَر لكثرته. وقال لها ملاك الرب: هأنت حامل، وستلدين ابناً وتسمينه إسماعيل لأن الرب قد سمع صوت شقائك، ويكون رجلاً وحشياً: يده على الكل، ويد الكل عليه، وأمام جميع إخوته يسكن". واستحلفك أيها القارئ الكريم: أهذه بشارة أم مثلاً بقصرٍ فخم لن يجد فيه راحة أبداً بل ستكون أيامه فيه كلها شقاءً ونكداً، أو أن يقول له: إني واهِبُك يا عبدي ثروة هائلة تنفقها إن شاء الله على أمراضك وأمراض أولادك المستعصية؟ بالله أهذه بُشْرَى؟ إنها لإنذار بالهمّ والغمّ والشقاء! والمضحك أن هاجر، كما جاء في الآية التي بعد ذلك، تبتلع في سذاجة مطلقة لا تُحْسَد عليها هذا الكلام الذي لا يدخل العقل وتعُدّه مكرمة عظيمة!
أما الأمر الثاني فهو أن الكتاب المقدس لا يذكر شيئاً من هذا التوحش الذي دمغ به إسماعيلَ ملفَّقُ الكلام السابق، بل على العكس نرى يعقوب بن إسحاق يذهب فيتزوج مَحْلةَ بنت إسماعيل بدلاً من بنت خاله التي أمره أبوه باتخاذها امرأة له. فأين التوحش هنا؟ وواضح أن يعقوب كان يعرف أنه لا تصلح له بنت أخى أمه، تلك الأم التي أضرمت بينه وبين أخيه عيسو نار الكراهية والتقاتل حسبما جاء في العهد العتيق فابتعد عن كل ما له صلة بأمه وأخذ بنت عمَّه الرجلِ النبيلِ الذي افترى عليه الزورَ ملفقُ سفر"التكوين"الكذابُ الأَشِر.