قوله: {تِلْكَ الجنة} [مريم: 63]
أي: التي يعطينا صور لها هي: {التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} [مريم: 63] أ ي: يرثونها، فهل كان في الجنة أحد قبل هؤلاء، فَهُم يرثونه؟
الحق تبارك وتعالى قبل أن يخلق الخَلْق عرف منهم مَنْ سيؤمن باختياره، ومَنْ سيكفر باختياره، علم مَنْ سيطيع ومَنْ سيعصي، فلم يُرغِم سبحانه عباده على شيء، إنما علم ما سيكون منهم بطلاقة علمه تعالى، إلا أنه تعالى أعدَّ الجنة لتسع جميع الخَلْق إنْ أطاعوا، وأعدَّ النار لتسع جميع الخَلْق إنْ عَصَوْا، فلن يكون هناك إذن زحام ولا أزمة إسكان، إنْ دخل الناس جميعاً الجنة، أو دخلوا جميعاً النار.
إذن: حينما يدخل أهلُ النارِ النارَ، أين تذهب أماكنهم التي أُعِدَّتْ لهم في الجنة؟ تذهب إلى أهل الجنة، فيرثونها بعد أنْ حُرم منها هؤلاء.
ثم يقول رب العزة سبحانه: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}
هنا ينتقل السياق إلى موضوع آخر، فبعد أنْ تحدَّث عن الجنة وأهلها عرض لأمر حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يحدث له حين ينزل عليه الوحي، وقلنا: إن الوحي ينزل بواسطة جبريل عليه السلام، وهو مَلَكٌ، على محمد صلى الله عليه وسلم وهو بشر.
ولقاء جبريل بقانون ملكيته بمحمد صلى الله عليه وسلم بقانون بشريته لا يمكن أن يتم إلاَّ بتقارب هذيْن الجنسين وعملية تغيير لا بُدَّ أنْ تطرأ على أحدهما، إما أَنْ ينزل الملَكُ على صورة بشرية، وإما أن يرتفع ببشرية الرسول إلى درجة تقرب من المَلك ليأخذ عنه، وذلك ما كان يحدث لرسول الله حين يأتيه الوحي.
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذا التغيير فقال:"... فغطَّني حتى بلغ مني الجهْد..."وكان صلى الله عليه وسلم يتفصَّد جبينه عرقاً لما يحدث في جسمه من تفاعل وعمليات كيماوية، ثم حينما يُسرِّي عنه تذهب هذه الأعراض.