وقد أخبر بعض الصحابة ، وكان يجلس بجوار رسول الله ، والرسول صلى الله عليه وسلم يضع رُكْبته على رُكْبته ، فلما نزل على رسول الله الوحي قال الصحابي: شعرتُ برُكْبة رسول الله وكأنها جبل .
وإذا أتاه الوحي وهودابة كانت الدابة تئط أي: تنخ من ثِقَل الوحي ، وقد قال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل: 5] .
إذن: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعب بعد هذا اللقاء ويشقُّ عليه ، حتى يذهب إلى السيدة خديجة رضي الله عنها يقول:"زَمِّلوني زَمِّلوني"أو"دَثِّروني دَثِّروني"كأن به حمى مما لاقى من لقاء الملَك ومباشرة الوحي أولاً .
ثم أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجعل الوحي يفتر عن رسوله ليرتاح من تعبه ومشقته ، فإذا ما ارتاح وذهب عنه التعب بقيتْ له حلاوة ما نزل من الوحي ، فيتشوق إليه من جديد ، كما يشتاق الإنسان لمكانٍ يحبه دونه الأشواك ومصاعب الطريق ، فالحب للشيء يحدث علمية كالتخدير ، فلا تشعر في سبيله بالتعب .
وقلنا: لما فتر الوحي عن رسول الله شمت فيه الكفار وقالوا: إن رَبَّ محمد قد قلاه يعني: أبغضه وتركه .
وهذا القول دليل على غبائهم وحماقتهم ، كيف وقد كانوا بالأمس يقولون عنه: ساحر وكذاب؟ ففي البغض يتذكرون أنه له رباً منع عنه الوحي ، وحين دعاهم إلى الإيمان بهذا الرب قالوا: من أين جاء بهذا الكلام؟
لذلك ، فالحق تبارك وتعالى يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 14] إذن: كانت مسألة الوحي شاقة على رسول الله .
فأراد الحق سبحانه أن يعطي هؤلاء درساً من خلال درس كونيّ مشاهد يشهد به المؤمن والكافر ، هذا الأمر الكونيّ هو الزمن ، وهو ينقسم إلى ليل ونهار ، ولكل منهما مهمته التي خلقه الله من أجلها ، كما قال سبحانه: