(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا(16)
المجموعة الثانية من المقطع الأول وتمتد من الآية (16) إلى نهاية الآية (40) وهذه هي:
[نقل: لصاحب الظلال] بين يدي قصة مريم عليها السلام:
قال صاحب الظلال رحمه الله:
(وإذا نحن تجاوزنا حادث خلق الإنسان أصلا وإنشائه على هذه الصورة، فإن حادث ولادة عيسى بن مريم يكون أعجب ما شهدته البشرية في تاريخها كله، ويكون حادثا فذا لا نظير له من قبله ولا من بعده.
والبشرية لم تشهد خلق نفسها وهو الحادث العجيب الضخم في تاريخها، لم تشهد خلق الإنسان الأول من غير أب وأم، وقد مضت القرون بعد ذلك الحادث، فشاءت الحكمة الإلهية أن تبرز العجيبة الثانية في مولد عيسى من غير أب، على غير السّنة التي جرت منذ وجد الإنسان على هذه الأرض، ليشهدها البشر، ثم تظل في سجل الحياة الإنسانية بارزة فذة تتلفت إليها الأجيال، إن عز عليها أن تتلفت إلى العجيبة الأولى التي لم يشهدها إنسان.
لقد جرت سنّة الله التي وضعها لامتداد الحياة بالتناسل من ذكر وأنثى في جميع الفصائل والأنواع بلا استثناء، حتى المخلوقات التي لا يوجد فيها ذكر وأنثى متميزان تتجمع في الفرد الواحد منها خلايا التذكير والتأنيث .. جرت هذه السنة أحقابا طويلة حتى استقر في تصور البشر أن هذه هي الطريقة الوحيدة، ونسوا الحادث الأول.
حادث وجود الإنسان لأنه خارج عن القياس. فأراد الله أن يضرب لهم مثل عيسى بن مريم - عليه السلام - ليذكرهم بحرية القدرة وطلاقة الإرادة، وأنها لا تحبس داخل النواميس التي تختارها. ولم يتكرر حادث عيسى لأن الأصل هو أن تجري السنة التي وضعها الله، وأن ينفذ الناموس الذي اختاره. وهذه الحادثة الواحدة تكفي لتبقى أمام أنظار البشرية معلما بارزا على حرية المشيئة، وعدم احتباسها داخل حدود النواميس وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ.