53 - {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ} ؛ أي: الكافرون {النَّارَ} من مكان بعيد {فَظَنُّوا} ؛ أي: أيقنوا {أَنَّهُمْ مُواقِعُوها} ؛ أي: واردوها، وداخلوها، ومخالطوها في تلك الساعة من غير تأخير لشدة ما يسمعون من تغيظها، وزفيرها كقوله تعالى: {إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} ، والمكان البعيد، قيل: مسيرة خمس مائة سنة، والظن هنا بمعنى اليقين، والمواقعة المخالطة بالوقوع فيها، وقيل: إن الكفّار يرون النار من مكان بعيد، فيظنون ذلك ظنًا {وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها} ؛ أي: عن النار {مَصْرِفًا} ؛ أي: مهربًا ومعدلًا يعدلون إليه، ومكانًا ينصرفون إليه، أو انصرافًا عنها، لأن النّار أحاطت بهم من كل مكان.
وفي مصحف عبد الله: {ملاقوها} مكان مواقعوها، وقرأه كذلك الأعمش، وابن غزوان، عن طلحة، والأولى جعله تفسيرًا لمخالفته سواد المصحف، وعن علقمة أنه قرأ {ملافُّوها} بالفاء مشددة من لففت، وأجاز أبو معاذ {مصرفا} بفتح الراء، وهي قراءة زيد بن علي جعله مصدرا، كالمضرب، لأن مضارعه يصرف على وزن يفعل كيضرب.
54 -ولما ذكر سبحانه افتخار الكفرة على فقراء المسلمين بأموالهم وعشائرهم، وأجابهم عن ذلك، وضرب لهم الأمثال الواضحة، وحكى بعض أحوال الآخرة فقال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنا} ؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد كررنا وبيّنا وذكرنا على وجوه كثيرة من النظم {فِي هذَا الْقُرْآنِ} الكريم {لِلنَّاسِ} ؛ أي: لمصلحتهم ومنفعتهم {مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} ؛ أي: من كل نوع من أنواع الأمثال، كمثل الرجلين المذكورين، ومثل الحياة الدنيا، ليتذكروا ويتعظوا، أو من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان، التي هي في الغرابة والحسن كالمثل ليتلقوه بالقبول؛ فلم يفعلوا، والمعنى؛ أي: ولقد وضحنا للناس كل ما هم في حاجة إليه من أمور دينهم، ودنياهم، ليتذكروا فينيبوا، ويعتبروا، ويزدجروا عما هم عليه مقيمون من الشرك بالله، وعبادة الأوثان؛ لكنهم لم يقبلوا ذلك، ولم يرعووا عن غيّهم وعنادهم، واستكبارهم وعتوهم.