{واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا}
أي واذكر لهم ما يُشبهها في زَهْرتها ونَضارتها وسرعةِ زوالها لئلا يطمئنوا بها ولا يعكُفوا عليها ولا يَضرِبوا عن الآخرة صفحاً بالمرة، أو بيِّنْ لهم صفتَها العجيبة التي هي في الغرابة كالمثَل {كَمَاء} استئنافٌ لبيان المثَل أي هي كماء {أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء} ويجوز كونُه مفعولاً ثانياً لاضْربْ على أنه بمعنى صيّر {فاختلط بِهِ} اشتبك بسببه {نَبَاتُ الأرض} فالتفّ وخالط بعضه بعضاً من كثرته وتكاثفه، أو نجَع الماءُ في النبات حتى روِيَ ورفّ، فمقتضى الظاهرِ حينئذ فاختلط بنبات الأرض، وإيثارُ ما عليه النظمُ الكريمُ عليه للمبالغة في الكثرة فإن كلاًّ من المختلِطَين موصوفٌ بصفة صاحبِه {فَأَصْبَحَ} ذلك النباتُ الملتفُّ إثرَ بهجتها ورفيفِها {هَشِيمًا} مهشوماً مكسوراً {تَذْرُوهُ الرياح} تفرّقه، وقرئ تُذْريه من أذراه وتذروه الريحُ، وليس المشبَّهُ به نفسَ الماء بل هو الهيئةُ المنتزَعةُ من الجملة، وهي حالُ النبات المُنبَتِ بالماء، يكون أخضرَ وارفاً ثم هشيماً تطيِّره الرياحُ كأن لم يغْنَ بالأمس {وَكَانَ الله على كُلّ شَيْء} من الأشياء التي من جملتها الإنشاءُ والإفناءُ {مُّقْتَدِرًا} قادراً على الكمال.
الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)