قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا(1)
قَيِّمًا). قيل إن قوله:"قَيِّمًا"مؤخر في التلاوة، قالوا: إنما معناه:
"الذي أنزل على عبده الكتاب قيمًا ولم يجعل له عوجًا"وهو وجه صحيح - إن شاء الله - على أن يكون"قَيِّمًا"نعتًا للكتاب.
ثم قال: (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ ...(2) . أي: خاصة من عنده(وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا)أي: حسن المنقلب في
الآخرة والخلود، فهذه أقوال أهل التفسير في صدر هذه السورة.
(فصل)
قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) أي: مباركًا شارعًا لصراطه
المستقيم الذي هو الدين القيِّم (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ) في هذا الصراط (عِوَجًا) .
(قَيِّمًا) فيكون قوله: (عِوَجًا) نعتًا لقوله: (قَيِّمًا) ؛ إذ أهل الكتابين
قبلنا لما عتوا على رسلهم وعصوا فيما نهوا عنه ألزموا أغلالاً من الكلف، وحملوا
آصار الأعمال، ومنعوا مع ذلك مواسم [الأرباح] وكان ذلك منهم والرسول بين
أظهرهم، والكتاب ينزل عليه والوحي يوحى إليه.
قال الله - جلَّ جلالُه - لسلفنا - رحمهم الله - جميعهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ
تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ
حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر يخطب يوم جمعة:"هذا يومنا الذي"
كتبه الله لنا، الناس فيه لنا، تبع اليوم لنا وغدًا لليهود وبعد غد للنصارى"."
وفي أخرى:"نحن الآخرون السابقون، ونحن أول من يدخل الجنة، فهذا"
يومهم الذي فرضه الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له"."