قال الآلوسي:
ومن باب الإشارة في الآيات: {الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب} قد تقدم أن مقام العبودية لا يشابهه مقام ولا يدانيه ونبينا صلى الله عليه وسلم في أعلى مراقيه، وقد ذكر أن العبد الحقيقي من كان حراً عن الكونين وليس ذاك إلا سيدهما صلى الله عليه وسلم {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} [الكهف: 1] {قَيِّماً} قد تقدم في التفسير أن الضمير المجرور عائد على {الكتاب} وجعله بعض أهل التأويل عائداً على {عَبْدِهِ} أي لم يجعل له عليه الصلاة والسلام انحرافاً عن جنابه وميلاً إلى ما سواه وجعله مستقيماً في عبوديته سبحانه، وجعل الأمر في قوله تعالى {فاستقم كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112] أمر تكوين {لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ} وهو بأس الحجاب والبعد عن الجناب وذلك أشد العذاب {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] {وَيُبَشّرُ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات} وهي الأعمال التي أريد بها وجه الله تعالى لا غير، وقيل العمل الصالح التبري من الوجود بوجود الحق {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} [الكهف: 2] وهي رؤية المولى ومشاهدة الحق بلا حجاب {فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً} [الكهف: 6] فيه إشارة إلى مزيد شفقته صلى الله عليه وسلم واهتمامه وحرصه على موافقة المخالفين وانتظامهم في سلك الموافقين {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض} من الأنهار والأشجار والجبال والمعادن والحيوانات {زِينَةً لَّهَا} أي لأهلها {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: 7] فيجعل ذلك مرآة لمشاهدة أنوار جلاله وجماله سبحانه عز وجل، وقال ابن عطاء: حسن العمل الإعراض عن الكل، وقال الجنيد: حسن العمل اتخاذ ذلك عبرة وعدم الاشتغال به.