{وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ... (18) }
(فائدة: أصل لفظة ذات)
أصل هذه اللفظة هو تأنيث ذو بمعنى صاحب، فذات صاحبة كذا في الأصل، ولهذا لا يقال ذات الشيء إلا لما له صفات ونعوت تضاف إليه، فكأنه يقول صاحبة هذه الصفات والنعوت.
ولهذا أنكر جماعة من النحاة منهم ابن برهان وغيره على الأصوليين قولهم الذات، وقالوا لا مدخل للألف واللام هنا كما لا يقال الذو في ذو.
وهذا إنكار صحيح، والاعتذار عنهم أن لفظة الذات في اصطلاحهم قد صارت عبارة عن الشيء نفسه وحقيقته وعينه، فلما استعملوها استعمال النفس والحقيقة عرفوها باللام وجردوها ومن هنا غلطهم السهيلي.
فإن هذا الاستعمال والتجريد أمر اصطلاحي لا لغوي، فإن العرب لا تكاد تقول رأيت الشيء لعينه ونفسه، وإنما يقولون ذلك لما هو منسوب إليه ومن جهته.
وهذا كجنب الشيء إذا قالوا هذا في جنب الله لا يريدون إلا فيما ينسب إليه من سبيله ومرضاته وطاعته لا يريدون غير هذا ألبتة.
فلما اصطلح المتكلمون على إطلاق الذات على النفس والحقيقة ظن من ظن أن هذا هو المراد من قوله
"ثلاث كذبات في ذات الله"
وقوله"وذلك في ذات الإله"
فغلط واستحق التغليط بل الذات هنا كالجنب في قوله تعالى: {يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ}
ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال هاهنا فرطت في نفس الله وحقيقته، ويحسن أن يقال فرط في ذات الله، كما يقال فعل كذا في ذات الله، وقتل في ذات الله تعالى، وصبر في ذات الله.
فتأمل ذلك فإنه من المباحث العزيزة الغريبة التي يثنى على مثلها الخناصر. والله الموفق المعين. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...