(فصل: في الرد على بعض الشبهات)
(محاولة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الانتحار)
الرد على الشبهة:
الحق الذي يجب أن يقال .. أن هذه الرواية التي استندتم إليها - يا خصوم الإسلام - ليست صحيحة رغم ورودها في صحيح البخارى - رضي الله عنه -؛ لأنه أوردها لا على أنها واقعة صحيحة، ولكن أوردها تحت عنوان"البلاغات"يعني أنه بلغه هذا الخبر مجرد بلاغ، ومعروف أن البلاغات في مصطلح علماء الحديث: إنما هي مجرد أخبار وليست أحاديث صحيحة السند أو المتن.
وقد علق الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري بقوله:
"إن القائل بلغنا كذا هو الزهرى، وعنه حكى البخارى هذا البلاغ، وليس هذا البلاغ موصولاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الكرماني: وهذا هو الظاهر".
هذا هو الصواب، وحاش أن يقدم رسول الله - وهو إمام المؤمنين - على الانتحار، أو حتى على مجرد التفكير فيه.
وعلى كلٍ فإن محمداً صلى الله عليه وسلم كان بشراً من البشر ولم يكن ملكاً ولا مدعيًا للألوهية.
والجانب البشرى فيه يعتبر ميزة كان صلى الله عليه وسلم يعتنى بها، وقد قال القرآن الكريم في ذلك: (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً) .
ومن ثم فإذا أصابه بعض الحزن أو الإحساس بمشاعر ما نسميه - في علوم عصرنا - بالإحباط أو الضيق فهذا أمر عادى لا غبار عليه؛ لأنه من أعراض بشريته صلى الله عليه وسلم.
وحين فتر (تأخر) الوحي بعد أن تعلق به الرسول صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى المكان الذي كان ينزل عليه الوحي فيه يستشرف لقاء جبريل، فهو محبّ للمكان الذي جمع بينه وبين حبيبه بشيء من بعض السكن والطمأنينة، فماذا في ذلك أيها الظالمون دائماً لمحمد صلى الله عليه وسلم في كل ما يأتي وما يدع؟
وإذا كان أعداء محمد صلى الله عليه وسلم يستندون إلى الآية الكريمة: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا(6) .
فالآية لا تشير أبداً إلى معنى الانتحار، ولكنها تعبير أدبى عن حزن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بسبب صدود قومه عن الإسلام، وإعراضهم عن الإيمان بالقرآن العظيم؛ فتصور كيف كان اهتمام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بدعوة الناس إلى الله، وحرصه الشديد على إخراج الكافرين من الظلمات إلى النور.