وقال الدكتور/ محمد أبو موسى:
{وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ (18) }
يفيد أن الكلب على هيئة وصفة ثابتة هي بسط الذراعين بالباب، كما تقول: هو طويل،
في أنك تثبت له صفة هو عليها من غير إشعار بشيء آخر ولا إشارة إليه، ولو قال: كلبهم يبسط ذراعيه لكان المعنى أن الكلب يحدث البسط، ويزاوله ويتجدد منه شيئا فشيئا، وليس هذا هو المراد، وإنما المراد أن الكلب باسط ذراعيه بالباب، وهو على هذه الصورة الثابتة الجامدة، فتظل الصورة الثابتة الجامدة، فتظل الصورة العامة لفتية الكهف يلفها سياج من المهابة والخشية: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} .
{وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) }
ومن هذا حذف القول وفاعله، وهو كثير في كتاب الله وله مواقع شريفة، من ذلك قوله تعالى في وصف هذا المشهد الهائل من مشاهد الحشر: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا}
والشاهد قوله: {لَقَدْ جِئْتُمُونَا} ، وأصله: فيقال لهم لقد جئتمونا ومزية هذا الحذف في بناء الكلام بعده على أسلوب الالتفات، وهو أسلوب له خطره في التصوير، والتأثير كما أشرنا، ألا ترى أن المولى عز وجل كأنه بعد ما عرضوا هذا العرض المستسلم في هذا السياق المفزع حيث التجلي الأعظم لقدرة ذي البطش، فالجبال الرواسي تسير في الجو هباء منثورًا، والأرض عارية ذهب كل من يسترها من إنسان وحيوان، ونبات أقول ترى المولى عز وجل بعد ما عرضهم العرض المستسلم كأنه يتجه إليهم معنفا أشد تعنيف: لقد جئتمونا كما خلقناكم وكنتم تكذبون، وتقولون ذلك رجع بعيد، وتزعمون ألن نجعل لكم موعدًا، هذا المعنى الذي جاء على طريقة الالتفات التي هيأ لها الحذف هو فيصل القضاء في هذا الموقف؛ لأنه متعلق التصديق، والتكذيب في رسالات السماء.