ومن لطائف ونكات معاني القرآن وإعرابه للزجاج:
(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ...(29)
هذا الكلام ليس بأمْرٍ لَهُمْ، ما فعلوه منه فهم فيه مطيعون، ولكن كلام وعيد وإنذار قد بين بعده ما لكل فريق مِنْ مؤمِن وكافر.
(وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا(45)
أي على الإنشاء، والإِفناء، مقتدراً.
فإن قال قائل:" [[فالكلام كان اللَّه] ]"، فتأويله أنَّ مَا شَاهَدْتَم من قدرته ليس بحادث عنده، وأنه كذلك كأن لم يزل.
هذا مذهب سيبويه، وقال الحسَنُ: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا)
أي كان مُقْتَدِرًا عليه قبل كونه.
وقال بَعْضُهُمْ:"كان"مِنَ اللَّه بمنزلة كائن ويكون.
وقولُ الحسنِ فِي هذَا حسنٌ جميل ومذهب سيبويه والخليل مذهب النحويين الحُذاقِ كما وَصَفْنَا، لأنهم يقولون: إنما خوطبت العربُ بلغتِها ونزل القرآن بما يَعْقِلُونه ويتخاطبون به، والعربُ لا تعرف كان في معنى يكون، إلا أن يدخل على الحرف آلةٌ تنقلها إلى معنى الاستقبال، وكذلك لا يعرف الماضي في معنى الحال.
فهذا شرح ما في القرآن من هذا الباب نحو قوله: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) ، (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) ، وقد فسرناه قبل هذا الموضع.
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ...(50)
قوله: (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) دليل على أنه أمر بالسجود مع الملائكة، وأكثر ما في التفسير أن إبليس من غير الملائكة وقد ذكره اللَّه عزَّ وجلَّ أنه كان منَ الجِنِ بمنزلة آدم من الإنس، وقد قيل إن الجِن ضَربٌ من الملائكة، كانوا خُزانَ الأرض، وقيل خزان الجنانِ.