88 -ثمّ نبه إلى شرف القرآن العظيم، وكبير خطره، فقال: {قُلْ} يا محمد للذين لا يعرفون جلالة قدر التنزيل، بل يزعمون أنه من كلام البشر، والله {لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ} ، أي: اتّفقوا، وتعاونوا {عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ} في البلاغة وكمال المعنى، وحسن النظم، والإخبار عن الغيب، وفيهم العرب العرباء، وأرباب البيان، وأهل التحقيق {لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} ؛ أي: بمثل القرآن؛ أي: لا يأتون بكلام مماثل مشابه له في صفاته البديعة، وهو جواب قسم محذوف، دلّ عليه {اللام} الموطئة له في قوله: {لَئِنِ اجْتَمَعَتِ} وساد مسد جزاء الشرط، ولولاها .. لكان جوابًا له بغير جزم، لكون الشرط ماضيا، وإنما أظهر في مقام الإضمار، ولم يكتف بأن يقول: لا يأتون به على أن الضمير راجع إلى المثل المذكور، لدفع توهم أن يكون له مثل، وللإشعار بأنّ المراد نفي المثل على أي صفة كان.
والمعنى: قل يا محمَّد لمن يزعمون أن القرآن من كلام البشر متحديًا لهم، والله لئن اجتمعت الإنس والجن والملائكة كلهم، واتفقوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في البلاغة، وحسن النّظم، وكمال المعنى .. لا يقدرون على الإتيان بمثله {وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ؛ أي: مظاهرًا ومعاونًا في الإتيان بمثله؛ أي: لم يكن بعضهم ظهيرًا لبعض، ولو تعاونوا وتظاهروا، فإنّ هذا غير ميسور لهم، فكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له، ولا مثيل.
وتخصيص الثقلين بالذكر؛ لأن المنكر في كونه من عند الله تعالى منهما لا من غيرهما، لا لأن غيرهما قادر على المعارضة
89 - {وَلَقَدْ صَرَّفْنا} ؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد رددنا وكرّرنا وبيّنا بوجوه مختلفة توجب زيادة بيان {لِلنَّاسِ} ، أي: لأهل مكة {فِي هذَا الْقُرْآنِ} المنعوت بالنعوت الفاضلة {مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} ؛ أي: من كلّ معنى بديع يشبه المثل في الغرابة ليتلقوه بالقبول.