قال - رحمه الله:
قَوْله تَعَالَى: {أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: {أَقِمْ الصَّلَاةَ} : أَيْ اجْعَلْهَا قَائِمَةً، أَيْ دَائِمَةً.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} : وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: زَالَتْ عِنْدَ كَبِدِ السَّمَاءِ؛ قَالَهُ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَطَائِفَةٌ سِوَاهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَغَيْرُهُمْ.
الثَّانِي: أَنَّ الدُّلُوكَ هُوَ الْغُرُوبُ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَلِيٌّ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: {غَسَقِ اللَّيْلِ} : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: إقْبَالُ ظُلْمَتِهِ.
الثَّانِي: اجْتِمَاعُ ظُلْمَتِهِ.
الثَّالِثُ: مَغِيبُ الشَّفَقِ.
وَقَدْ قَيَّدْت عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الدُّلُوكَ إنَّمَا سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَدْلُكُ عَيْنَيْهِ إذَا نَظَرَ إلَى الشَّمْسِ فِيهِ، أَمَّا فِي الزَّوَالِ فَلِكَثْرَةِ شُعَاعِهَا، وَأَمَّا فِي الْغُرُوبِ فَلِيَتَبَيَّنَهَا، وَهَذَا لَوْ نُقِلَ عَنْ الْعَرَبِ لَكَانَ قَوِيًّا، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: هَذَا مُقَامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ حَتَّى يُقَالَ دَلَكْت بَرَاحِ كَقَوْلِهِ قَطَامِ وَجَذَامِ، وَفِي ذَلِكَ كَلَامٌ.
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ مَيْلُهَا.