(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ... (64) }
فَالله الله يَا معشر الْمُؤمنِينَ كونُوا من الأسخياء الصَّالِحين وَلَا تَكُونُوا من البخلاء الْفَاسِقين فالبخيل هُوَ شريك الشَّيْطَان اللعين قَالَ الله تَعَالَى {وشاركهم فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد وعدهم وَمَا يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا} الْإِسْرَاء 64] فَكل مَال لَا تُؤدِّي زَكَاته فصاحبه خَازِن الشَّيْطَان وكل مَال أخرجت زَكَاته فصاحبه عَدو الشَّيْطَان حبيب الرَّحْمَن وَعمل بِالسنةِ وَالْقُرْآن وناج من عَذَاب النيرَان وداخل فِي نعيم الْجنان
فَكل من مَاتَ وَترك مَالا قد أدّى زَكَاته فَإِن صَاحبه لَا تزَال الْمَلَائِكَة تكْتب لَهُ الْحَسَنَات إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وكل من مَاتَ وَترك مَالا لم يؤد زَكَاته فَلَا يزَال وزره يجْرِي عَلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِن وَصله وَقع المَال عِنْد من يُزَكِّيه وَمَا من عبد أدّى زَكَاة مَاله بِطيب من نَفسه إِلَّا جعل الله ذَلِك المَال يَوْم الْقِيَامَة طوقا من نور الْجنَّة يضيء لأهل الْجمع من الْمُؤمنِينَ حَتَّى يجوزوا الصِّرَاط وَيدخل بِهِ الْجنَّة وَمَا من عبد لَا يُؤَدِّي زَكَاة مَاله إِلَّا طوقه الله يَوْم الْقِيَامَة بطوق من نَار جَهَنَّم لَو أَن ذَلِك الطوق وضع فِي الدُّنْيَا لاحترقت الدُّنْيَا كلهَا وتقطعت جبالها وجفت بحارها
فوَاللَّه لَو لم يكن فَخر الْكَرِيم السخي إِلَّا ذكر الله تَعَالَى لَهُ فِي كِتَابه لكفي فِي قَوْله تَعَالَى {وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون} الْحَشْر 9] فاغتنموا هَذَا الْيَوْم الْفَاضِل فَهُوَ يَوْم تعرف فِيهِ الْكِرَام وتفضح فِي اللئام
وَهَذَا يَوْم عَاشُورَاء يَوْم تَوَاتَرَتْ فِيهِ الْأَخْبَار عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يَوْم النَّفَقَة فِي الله فِيهِ مخلوفة وَالنَّفقَة فِيهِ فِي غير الله متلوفة
فَإِذا كَانَ هَذَا الْيَوْم تخلف فِيهِ النَّفَقَات فَأولى أَن تغْفر فِيهِ الخطيئات وتتضاعف فِيهِ الْحَسَنَات وينجي الله فِيهِ الْمُؤمنِينَ من الْعَذَاب والعقوبات يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَوَات وَتظهر فِيهِ السرائر والخفيات
وأنشدوا