(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
فأمّا قوله تعالى: {وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} فإنّه أيضا غير مناف لإخباره عن إرساله بالآيات وقوله: {سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} [فصلت: 53] ، وإخباره عن انفراق البحر وقلب العصا حيّة، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وغير ذلك، من ناقة صالح وطوفان نوح، لأنّه يحتمل أن يكون عنى تعالى وما منعنا أن نرسل بالآيات المهلكة المصطلمة إلا أن كذّب بها الأولون، فكأنّه قال حكمنا بإرسالها على من كذّب بها من الأولين، وليس من حكمنا أن نرسل بها على من كذّب بها من أمة محمد صلّى الله عليه.
ويمكن أن يكون إنّما أراد وما منعنا أن نرسل بالآيات التي طلبها اليهود وقوم محمد عليه السلام إلا أنّنا قد حكمنا أنّنا إذا أرسلنا بها وكذّبت عجّلنا العقاب واصطلمنا، فقال حكمنا بذلك منعنا من أن نرسل بها في هذه الأمّة وهذه الآيات نحو قوله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ} [النساء: 153] ، وقوله: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً} ... {أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ} [الإسراء: 90 - 93] ونحو ذلك.
ويمكن أيضا أن يكون تأويل قوله {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذّب بها الأولون} ، وتكون إلا ساقطة وعلى وجه الزيادة في الكلام، فكأنّه قال: ما منعنا أن نرسل بالآيات تكذيب من كذّب بها من الأولين، بل نرسل بها وإن كذّبت فيما سلف، ومثله قول الشاعر:
وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمرو أبيك إلا الفرقدان
أي: والفرقدان، فدخل إلا زيادة في الكلام، وهذا يبطل أيضا ما ظنوا الانتفاع به. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...