الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ... (23) }
يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ حَكَمَ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ بِأَمْرِهِ إِيَّاكُمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ أَلْفَاظُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ {وَقَضَى رَبُّكَ} وَإِنْ كَانَ مَعْنَى جَمِيعِهِمْ فِي ذَلِكَ وَاحِدًا.
[عن] زَكَرِيَّا بْن سَلَّامٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ، فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَقَالَ: إِنَّكَ عَصَيْتَ رَبَّكَ وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: قَضَى اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيَّ، قَالَ الْحَسَنُ، وَكَانَ فَصِيحًا: مَا قَضَى اللَّهُ: أَيْ مَا أَمَرَ اللَّهُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} فَقَالَ النَّاسُ: تَكَلَّمَ الْحَسَنُ فِي الْقَدَرِ
عَنْ قَتَادَةَ {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} قَالَ: أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَصَّى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ»
عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، أَنَّهُ قَرَأَهَا: «وَوَصَّى رَبُّكَ» وَقَالَ: إِنَّهُمْ أَلْصَقُوا الْوَاوَ بِالصَّادِ فَصَارَتْ قَافًا
وَقَوْلُهُ: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}
يَقُولُ: وَأَمَرَكُمْ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِمَا وَتَبَرُّوهُمَا.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَأَمَرَكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَى الْوَالِدَيْنِ، فَلَمَّا حُذِفَتْ «أَنْ» تَعَلَّقَ الْقَضَاءُ بِالْإِحْسَانِ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: آمُرُكَ بِهِ خَيْرًا، وَأُوصِيكَ بِهِ خَيْرًا، بِمَعْنَى: آمُرُكَ أَنْ تَفْعَلَ بِهِ خَيْرًا، ثُمَّ تُحْذَفُ «أَنْ» فَيَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ وَالْوَصِيَّةُ بِالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الرجز]
عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إِذْ تَشْكُونَا
وَمِنْ أَبِي دَهْمَاءَ إِذْ يُوصِينَا
خَيْرًا بِهَا كَأَنَّنَا جَافُونَا
وَعَمِلَ يُوصِينَا فِي الْخَيْرِ.