إرادة الدنيا وإرادة الآخرة
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء:18 و 19] .
الشرح والمعنى:
كل الناس في هذه الحياة حارث وهمام، عامل ومريد، فسفيه ورشيد، وشقي وسعيد:
مريد الدنيا وجزاؤه:
منهم من يريد بأعماله هذه الدار العاجلة والحياة الدنيا، عليها قصر همه، وعلى حظوظها عقد ضميره. وجعلها وجهة قصده، ونصبها غاية سعيه، لا يرجو وراءها ثواباً، ولا يخاف عقاباً، فهو مقبل عليها بقلبه وقالبه، معرض عن غيرها بكليته، فلا يجيب داعي الله بترغيب ولا ترهيب، ولا يتقيد في سلوكه بشرائع العدل والإحسان.
فمن كانت هذه إرادته، ولهذا عمله، عجل الله له في الدنيا ما مضى في مشيئته تعالى أن يعجله له، إن كان ممن أراد التعجيل لهم، بحكم إبدال الجار والمجرور في قوله: {لمن نريد} ، من الجار والمجرور في قوله: {عجلنا له} . فالتعجيل منه تعالى لمن يريد، لا لكل مريد.
والشيء المعجل - في قدره وجنسه ومدته - على ما يشاء الرب المعطي، لا على ما يشاء العبد المريد.
فكم من مريد للدنيا من يقصد الشيء فلا ينال إلاّ بعضه، فيضيع عليه شطر عمله، فلا في هذه الدار، ولا في تلك الدار.
وكم منهم من سعى واجتهد وانتهى بالخيبة والحرمان، فعاد - بعد النصب (1) - ولا ثمرة حصلها عاجلًا، ولا ثواباً ادخره آجلًا، وذلك هو الخسران المبين.
ثم إذا قدم على الله في الآخرة جعل له وحضر له جهنم دار العذاب، واضطره إلى دخولها. فيصليها {مذموماً} مذكورا بقبح فعله وسوء صنيعه في قلة شكره لربه، وعدم استعماله لما كان أنعم عليه به في طاعته، وعدم نظره لعاقبة أمره. {مدحوراً} مبعدا في أقصى النار مطروداً من الرحمة.
حرم نفسه من استثمار رحمة الله في الدنيا بالشكر عليها، فكان عدلًا أن يحرم منها في الاخرة.