[من روائع الأبحاث]
(رحلة الإسراء من زحمة الابتلاء إلى منحة الاصطفاء)
للشيخ/ خميس النقيب
لم تكن رحلةً عاديَّة؛ بل كانت نفحةً بعد لَفْحة، ورحمةً بعد قسوة، ومنحةً بعد زحمة، وتكريمًا بعد تمحيص، واصطفاء بعد ابتلاء؛ فقد مرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بضوائق كثيرة، وتعرَّض لعوائق وفيرة، وهو في طريق الدعوة الكبيرة؛ دعوة الإسلام العظيمة.
والدعاة السائرون على دَرْبِه والمتمسكون بسنَّته والمحافظون على دعوته كذلك، يتعرَّضون لذات الابتلاء؛ لينعموا بقسطٍ من الاصطفاء.
إنها سنَّة الله للمرسلين، ومِن بعدهم الصحابة والتابعون والصالحون من عباده المؤمنين إلى يوم الدين، طريقة لن تتبدَّل، وسنَّة لن تتحوَّل؛"سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً" [الأحزاب: 62] .
تنكَّر له الخلقُ فاستقبله الخالقُ، سدَّت في وجهة أبواب الأرضِ ففتحَت له أبوابُ السماء، لم يسمعه الناسُ في الطائفِ فجمع اللهُ له الأنبياء والمرسلين في"بيت المقدس"فكان لهم قائدًا وإمامًا.
لم يكن ذلك تسريةً عنه فحسب؛ وإنما كان تكريمًا لشخصِه وتقويةً لعزمِه، وإعلاء لشأنِه واصطفاء لقلبِه.
إنه صلى الله عليه وسلم يعلِّمنا أن الطريقَ إلى الله عز وجل محفوف بالمخاطِر، وأن الطريق إلى جنَّته كلُّه أشواكٌ، حدث هذا مع الأنبياء والرسل والصالحين، وسيحدث كذلك مع أصحابِ الدعوات إلى يوم الدين، والله تعالى يسوق الأحداثَ والشدائدَ ليَمِيز الخبيثَ من الطَّيِّب، والمؤمنَ من الكافر، والجاحدَ من الشاكر، والناسي من الذاكر؛"مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ" [آل عمران: 179] .