ومن لطائف ونكات تفسير الماتريدي:
قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(23)
«فَإِنْ قِيلَ» : إن الوالدين كالمجبولين المطبوعين على البر لأولادهما، والشفقة عليهم، ولا كذلك الأولاد؛ فكيف يشبه بر من كان مجبولًا به مطبوعًا عليه - برَّ من لم يكن ذلك بطبعه؟
قيل: لذلك ذكر هذا في الولد دون الوالدين، وأمرهم بذلك؛ لأن ما يفعل الوالدان من البر والإحسان إلى الولد يفعلان بطبع، والولد لا؛ لذلك كان ما ذكر واللَّه أعلم. ولهذا ما لم يجعل ولم يشرع قتل الوالد بولده؛ إذ ليس القصاص حياة بينهم، وشرع قتل الولد بوالديه؛ إذ في الوالدين من الشفقة والرحمة ما يمنع قتل الولد، وليس في الولد ذلك؛
فجعل في قتل الولد والديه القصاص، ولم يجعل في قتل الوالدين ولدهما؛ فعلى ذلك هذا في البرّ والإحسان.
قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ...(23)
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة فيما قرن اللَّه من شكر والديه شكره في غير آية من القرآن: (اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) .
قيل: لأنه بهما كان نماؤه من أول حاله إلى آخر ما انتهى إليه من التغذية والتربية والوقاية من كل سوء والحفظ من كل آفة وشر.
وفي الآية دليل لقول أبي حنيفة؛ حيث قال في المكاتب: إذا اشترى والده أو أمَّه صار مكاتبًا، وإذا اشترى أخاه أو ذا رحم محرم منه - لم يصر مكاتبًا؛ لأن الأب والأم يصيران كذلك بحق الجزاء والشكر؛ فعليه ذلك، وأمَّا الأخ وغيره من المحارم بحق المعروف؛ فملكه لا يحتمل ذلك.