{يَوْمَ تَأْتِي}
يحتمل أن يتعلق بغفور رحيم أو يمحذوف تقديره اذكر وهذا أظهر {كُلُّ نَفْسٍ} النفس هنا بمعنى الجملة كقولك: إنسان، والنفس في قوله عن نفسها بمعنى الذات المعينة التي نقيضها الغير أي تجادل عن ذاتها لا عن غيرها كقولك: جاء نفسه وعينه {تجادل عَن نَّفْسِهَا} أي تحتج وتعتذر، فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله {هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 35 - 36] فالجواب أن الحال مختلف باختلاف المواطن والأشخاص.
{وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً} الآية، قيل: إن القرية المذكورة مكة كانت بهذه الصفة التي ذكرها الله {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله} يعني بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فأصابهم الجدب والخوف من غزو النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنما قصد قرية غير معينة أصابها ذلك فضرب الله بها مثلاً لمكة، وهذا أظهر، لأن المراد وعظ أهل مكة بما جرى لغيرهم، والضمير في قوله فكفرت وأذاقها: يراد بها أهل القرية بدليل قوله بما كانوا يصنعون {فأذاقها الله لِبَاسَ الجوع والخوف} الإذاقة هنا واللبس مستعاران، أما الإذاقة فقد كثر استعمالها في البلايا، حتى صارت كالحقيقة، وأما اللباس فاستعير للجوع والخوف لاشتمالهما على اللباس ومباشرتهما له كمباشرة الثوب.