قال - عليه الرحمة:
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) }
ليست واقعةُ القوم بخسرانٍ يُصيبهم في أموالهم، أو من جهة تقصيرهم في أعمالهم ولِمَا صنيَّعوه من أحوالهم .. فهذه - لعمري - وجوهٌ وأسبابٌ، ولكنَّ سِرَّ القصةِ كما قيل:
أنَا صَبٌّ لِمَنْ هَوَيْتُ ولكن ... ما احتيالي بسوء رأي الموالي؟
قوله: {وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} : لو شاء الله سَعَادَتَهمُ لَرَحِمَهُم، وعن المعاصي عَصَمَهُم، وبدوامِ الذكر - بَدَلَ الغفلة - ألهمهم ... ولكن سَبَقَتْ القسمةُ في ذلك، وما أحسن ما قالوا:
شكا إليك ما وَجَدْ ... مَنْ خانه فيك الجَلَدْ
حيرانُ .. لو شِئْتَ اهتدى ... ظمآنُ .. لو شِئْتَ وَرَدْ
{وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا}
أَبعَدَكُم عَدَمُ صِدْقِكم في إيمانِكم عن تحقُّقكم ببرهانكم، لأنكم وقفتم على حَدِّ التردد دون القطع والتعيين، فأفضى بكم تردُّدُكم إلى أوطانِ شِرْككُم، إذ الشكُّ في الله والشِّركُ به قرينان في الحُكْم.
{وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) }
لا تختاروا على القيام بحقِّ اللَّهِ والوفاءِ بعهده عِوَضَاً يسيراً مما تنتفعون به من حُطام دنياكم من حلالكم وحرامكم، فإنَّ ما أعدَّ اللَّهُ لكم في جناته - بشرط وفائكم لإيمانكم - يوفي ويربو على ما تتعجلون به من حظوظكم.
{مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) }