[من روائع الأبحاث]
(الدلالة النفسية للألفاظ في القرآن الكريم)
المبحث الخامس: ألفاظ العذاب
للدكتور/ محمد جعفر محيسن العارضي
الأول: العذاب العام.
(ذاق)
الذوق: اختبار الشيء من جهة تطعم. ونقل إلى تذوق المأكول والمشروب، فيستعمل مع (( ما يقل تناوله دون ما يكثر، فإن ما يكثر يقال له الأكل ) ). ويعبر به عن المكروه النازل بإنسان، فيقال ذاقه.
واستعمل القرآن الكريم هذا اللفظ فعلا واسما (63 مرة) .وأكثر ما استعمل منه كان في سياق العذاب، إذ جاء (48 مرة) ؛ لأنه (( وان كان في التعارف للقليل فهو مستصلح للكثير فخصه بالذكر ليعم الأمرين ) ).
ومنه قوله تعالى: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} . وقيل إنَّ استعمال الذوق مع العذاب هو الأصل في الاستعمال، لا الأكل اعتمادا على كثرة مجيئه في العذاب وغيره مما لا يصح أكله.
والظاهر أنه أراد بهذا الاستعمال الإحاطة بالدلالة على التهكم؛ ذلك أنَّ هذا اللفظ المستعمل في سياق الأكل يُشعر بالإقبال والتوقان إلى العذاب، كما هو الإقبال بالتذوق على أول الأكل. وفيه إشارة إلى الإركاس بالعذاب من جهة المحسوس والمعنى، أي أنه ينبه به على الألم المتحقق من جهة تعذيب الجسم وتعذيب الروح معا. وقريب منه قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} ، فقد (( شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع ) )؛ لأن الإذاقة يلحظ فيها معنى القوة في الإدراك والتحقق؛ فيكون الاختبار والامتحان.