ثم إنه تعالى أكد ما يفهم من الحصر بالنهي عن التحريم والتحليل بالأهواء فقال عز قائلاً:
{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ} الخ،
ولا ينافي ذلك العطف كما لا يخفى، واللام صلة القول مثلها في قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ} [البقرة: 154] وقولك: لا تقل للنبيذ إنه حلال، ومعناها الاختصاص، و {مَا} موصولة والعائد محذوف أي لا تقولوا في شأن الذي تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم: {مَا فِى بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا} [الأنعام: 139] من غير ترتب ذلك الوصف على ملاحظة وفكر فضلاً عن استناده إلى وحي أو قياس مبني عليه بل مجرد قول باللسان.
{الكذب} منتصب على أنه مفعول به لتقولوا وقوله سبحانه: {هذا حلال وهذا حَرَامٌ} بدل منه بدل كل، وقيل: منصوب بإضمار أعني، وقيل: {الكذب} منتصب على المدرية و {هذا} مقول القول.
وجوز أن يكون بدل اشتمال، وجوز أن يكون {الكذب} مقول القول المذكور ويضمر قول آخر بعد الوصف واللام على حالها أي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقول هذا حلال وهذا حرام، والجملة مبينة ومفسرة لقوله تعالى: {تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ} كما في قوله سبحانه: {فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54] وجوز أن لا يضمر القول على المذهب الكوفي وأن يقدر قائله على أن المقدر حال من الألسنة، ويجوز أن يكون اللام للتعليل و {مَا} مصدرية و {الكذب} مفعول الوصف و {هذا حلال} الخ مقول القول أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لأجل وصف ألسنتكم الكذب، وإلى هذا ذهب الكسائي.