الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ بِالْعَدْلِ، وَهُوَ الْإِنْصَافُ وَمِنَ الْإِنْصَافِ: الْإِقْرَارُ بِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِنِعْمَتِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى إِفْضَالِهِ، وَتُولِي الْحَمْدَ أَهْلَهُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْعَدْلُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ عِنْدَنَا يَدٌ تَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ عَلَيْهَا، كَانَ جَهْلًا بِنَا حَمْدُهَا وَعِبَادَتُهَا، وَهِيَ لَا تُنْعِمْ فَتُشْكَرُ وَلَا تَنْفَعُ فَتُعْبَدُ، فَلَزِمَنَا أَنْ نَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ: الْعَدْلُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ: {وَالْإِحْسَانِ} فَإِنَّ الْإِحْسَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَعَ الْعَدْلِ الَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ: الصَّبْرُ للَّهِ عَلَى طَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى، فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَالْمَكْرَهِ وَالْمَنْشَطِ، وَذَلِكَ هُوَ أَدَاءُ فَرَائِضِهِ.
وَقَوْلُهُ: {وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى}
يَقُولُ: وَإِعْطَاءِ ذِي الْقُرْبَى الْحَقَّ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ وَالرَّحِمِ.
وَقَوْلُهُ: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ} قَالَ:"الْفَحْشَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الزِّنَا"
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْفَحْشَاءِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَقَوْلُهُ: {وَالْبَغْيِ} قِيلَ: عُنِيَ بِالْبَغْيِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْكِبْرُ وَالظُّلْمُ
وَأَصْلُ الْبَغيِ: التَّعَدِّي وَمُجَاوَزَةُ الْقَدْرِ وَالْحَدُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَقَوْلُهُ: {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}
يَقُولُ: يُذَكِّرُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ رَبُّكُمْ لِتَذَّكَّرُوا فَتُنِيبُوا إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَتَعْرِفُوا الْحَقَّ لِأَهْلِهِ