قوله تعالى {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ}
1 -أهو مثال أم حدث تاريخي؟
لقد عبرت الآيات أعلاه عند حديثها عن تلك المنطقة العامرة بكثرة النعم، والتي أصاب أهلها بلاء الجوع والخوف نتيجة كفرهم بأنعم الله، عبرت عن ذلك بكلمة"مثلا"وبذات الوقت فإن الآية استخدمت الأفعال بصيغة الماضي، مما يشير إلى وقوع ما حدث فعلا في زمن ماض، وهنا حصل اختلاف بين المفسرين في الهدف من البيان القرآني، فقسم قد احتمل أن الهدف هو ضرب مثال عام، وذهب القسم الثاني إلى أنه لبيان واقعة تأريخية معينة.
وتطرق مؤيدو الإحتمال الثاني إلى تحديد المنطقة التي حدثت فيها هذه الواقعة. فذهب بعضهم أنها أرض مكة، ولعل (يأتيها رزقها رغدا من كل مكان) تدعو إلى تقوية هذا الاحتمال، لأنه دليل على أن هذه المنطقة مجدبة، وما تحتاج
إليه يأتيها من خارجها، وما جاء في الآية (57) من سورة القصص (يجبى إليه ثمرات كل شيء) يعضد هذا المعنى، خصوصا وأن المفسرين قد قطعوا بأنها إشارة إلى مكة المكرمة.
ويرد هذا الزعم بعدم معرفة حادثة كهذه في تأريخ مكة على ما للحادثة من وضوح، فغير معروف عن مكة أنها عاشت أياما رغيدة ومن ثم جاءها القحط والجوع!
وقال بعض آخر: حدثت هذه القصة لجمع من بني إسرائيل في منطقة ما، وأنهم أبتلوا بالقحط والخوف على أثر كفرانهم بنعم الله.
وما يؤيد ذلك ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال:"إن قوما في بني إسرائيل تؤتى لهم من طعامهم حتى جعلوا منه تماثيل بمدن كانت في بلادهم يستنجون بها فلم يزل الله بهم حتى اضطروا إلى التماثيل يبيعونها ويأكلونها وهو قول الله" (ضرب الله مثلا ...) .
ورويت روايات أخرى قريبة من هذا المضمون عن الإمام الصادق (عليه السلام) وتفسير علي بن إبراهيم مما لا يمكن الإعتماد الكامل على أسانيدها، وإلا لكانت المسألة واضحة.