أثنى الله سُبْحَانَهُ على إِبْرَاهِيم خَلِيله بقوله تَعَالَى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ}
فَهَذِهِ أرْبَع أنواع من الثَّنَاء افتتحها بِأَنَّهُ أمة، والأمة هُوَ الْقدْوَة الَّذِي يؤتم بِهِ.
قَالَ ابْن مَسْعُود والأمة الْمعلم للخير.
وَهِي فعلة من الائتمام كقدوة وَهُوَ الَّذِي يَقْتَدِي بِهِ.
وَالْفرق بَين الأمة والإمام من وَجْهَيْن:
أحدهما أن الإمام كل مَا يؤتم بِهِ سَوَاء كَانَ بِقَصْدِهِ وشعوره أو لا، وَمِنْه سمي الطَّرِيق إِمَامًا كَقوله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79) }
أَي بطرِيق وَاضح لَا يخفى على السالك، وَلَا يُسمى الطَّرِيق أمة.
الثَّانِي أن الأمة فِيهِ زِيَادَة معنى وَهُوَ الَّذِي جمع صِفَات الْكَمَال من الْعلم وَالْعَمَل بِحَيْثُ بَقِي فِيهَا فَردا وَحده، فَهُوَ الْجَامِع لخصال تَفَرَّقت فِي غَيره فَكَأَنَّهُ باين غَيره باجتماعها فِيهِ وتفرقها، أوْ عدمهَا فِي غَيره.
وَلَفظ الأمة يشْعر بِهَذَا الْمَعْنى لما فِيهِ من الْمِيم المضعفة الدَّالَّة على الضَّم بمخرجها وتكريرها، وَكَذَلِكَ ضم أوله فَإِن الضمة من الْوَاو ومخرجها يَنْضَم عِنْد النُّطْق بهَا، وأتى بِالتَّاءِ الدَّالَّة على الْوحدَة كالغرفة واللقمة.
وَمِنْه الحَدِيث"إِن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة أمة وَحده"
فالضم والاجتماع لَازم لِمَعْنى الأمة، وَمِنْه سميت الأمة الَّتِي هِيَ آحَاد الأمم لأنهم النَّاس المجتمعون على دين وَاحِد أوْ فِي عصر وَاحِد.
الثَّانِي قَوْله {قَانِتًا لله} قَالَ ابْن مَسْعُود القانت الْمُطِيع.
والقنوت يُفَسر بأشياء كلهَا ترجع إلى دوَام الطَّاعَة.
الثَّالِث قَوْله {حَنِيفا} والحنيف الْمقبل على الله، وَيلْزم هَذَا الْمَعْنى ميله عَمَّا سواهُ فالميل لَازم معنى الحنيف لَا أنه مَوْضُوعه لُغَة.
الرَّابِع قَوْله {شاكرا لأنعمه} وَالشُّكْر للنعم مَبْنِيّ على ثَلَاثَة أركان الإقرار بِالنعْمَةِ، وإضافتها إلى الْمُنعم بهَا، وصرفها فِي مرضاته، وَالْعَمَل فِيهَا بِمَا يجب فَلَا يكون العَبْد شَاعِرًا إِلَّا بِهَذِهِ الأشياء الثَّلَاثَة.