[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
(ومما جاء في الصدق والكذب)
قال الراغب الأصفهاني:
الممدوح بالصّدق
فلان أصدق من أبي ذرّ وأصدق من قطاة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذرّ.
وقال الجاحظ: أخبرني فلان وهو والكذب لا يجتمعان في طريق، ولا يقشعرّ من الكذب.
قال التنوخي:
وألسنهم وقف على الصّدق والرفا ... وأيمانهم وقف على القصد والنعمى
وقال جحظة البرمكيّ:
وكان صديق الورى ... بالحقّ ينطق عن لسانه
وفي المثل: لا يكذب الرائد أهله، لأن كذبه يجتثّ أصله.
معيب بالكذب
قال رجل لكذّاب: مرحبا بأبي المنذر، فقال: ليس هذا كنيتي. فقال: قد علمت إنما هو كنية مسيلمة ولكنّها صفتك: يعرّض بأنه كذّاب.
وقيل لرجل: ما تقول في فلان؟ فقال: إنا لا أذمّ مسيلمة. وذم رجل آخر فقال:
الكذب أحسن ما فيه، وهذا غاية الذم. وقال رجل لأبي حنيفة (رضي الله عنه) : ما كذبت قطّ؟ فقال: أما أنا فقد شهدت عليك بهذه.
وقال رجل: أنا لا أكذب كذبة بألف، فقال صاحبه: أما هذه فواحدة بلا درهم.
وقيل: أكذب من يلمع أي السراب. قال الشاعر:
أكثر ما يجري على فيه الكذب
وقال بعضهم: أسأت نظرا فأطرفت خبرا وقال: جاء فلان نزهات البسابس وجاء بالحطب الرطب، أي بمحض الكذب.
وقال الرشيد للفضل بن الربيع: كذبت، فقال: يا أمير المؤمنين وجه الكذّاب لا يقابلك، ولسانه لا يخاطبك، يعرّض به، لأن الإنسان لا يقابل نفسه ولا يخاطبها فاستحسن تعريضه فأولاه وما جفاه.
وقيل: فلان فيه روغان الثعلب وطبيعة العقعق ولمعان البرق، أي الحيلة والسرقة والكذب.
قال الشاعر:
كلام أبي مالك كلّه ... صياح الفواخت جاء الرّطب
النهي عن الكذب وذمّه
قال الله تعالى: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ)
وقال: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ)
وقال: (إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ) .
وقيل: الكذب جمّاع النّفاق. وقيل: الكذب عار لازم وذلّ دائم. وقيل: الكذب والحسد والنفاق أثافي.
قال الشاعر:
لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السوء أو من قلّة الورع
وقيل: ما عزّ ذو كذب، ولو أخذ القمر بيديه، ولا ذلّ ذو صدق، ولو اتّفق العالم عليه.