(فصل: الْعدْل وَالْفضل)
شرائع الْعدْل وَشَرَائِع الْفضل
قال الحارث المحاسبي:
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم يرْوى عَن بعض الْحُكَمَاء أَنه قَالَ طَرِيق الْآخِرَة وَاحِد وَالنَّاس فِيهِ صنفان، فصنف أهل الْعدْل، وصنف أهل الْفَضل.
وَالْعدْل عَدْلَانِ:
عدل ظَاهر فِيمَا بَيْنك وَبَين النَّاس، وَعدل بَاطِن فِيمَا بَيْنك وَبَين الله.
وَطَرِيق الْعدْل طَرِيق الاسْتقَامَة وَطَرِيق الْفضل طَرِيق طلب الزِّيَادَة
وَالَّذِي على النَّاس لُزُوم الْعَمَل بِهِ طَرِيق الاسْتقَامَة وَلَيْسَ عَلَيْهِم لُزُوم طَرِيق الْفضل
وَالصَّبْر والورع مَعَ الْعدْل وهما واجبان والزهد والرضى مَعَ الْفضل وليسا بواجبين والإنصاف مَعَ الْعدْل والإحسان مَعَ الْفضل
وَمن شغله الْعدْل عَن الْفضل فمعذور وَمن شغله الْفضل عَن الْعدْل فَهُوَ
مخدوع مُتبع لهوى نَفسه وعَلى الإنسان معرفَة الْعدْل وَلَيْسَ عَلَيْهِ معرفَة الْفضل إِلَّا تَبَرعا
وَهَكَذَا كل عمل لَا يجب على العَبْد فعله لَا يجب عَلَيْهِ علمه.
(صِفَات أهل الْعدْل)
وَلَا يكون العَبْد من أهل الْعدْل إِلَّا بِثَلَاث خِصَال بِالْعلمِ حَتَّى يعلم مَا لَهُ مِمَّا عَلَيْهِ وبالفعل وبالصبر
فمفتاح الْعدْل وأولاه بِالْعَبدِ وأوجبه عَلَيْهِ أن يعرف قدر نَفسه فَلَا يكون لَهَا عِنْده قدر فَوق منزلتها وأن الشّبَه سَرِيرَته عَلَانِيَته
وأحزم النَّاس فِيهِ وأقربهم مِنْهُ مأخذا المراجع لنَفسِهِ فِي كل خطرة تهواها نَفسه أَو تكرهها فَينْظر فِي ذَلِك أن لَو اطلع النَّاس على حَالَته هَذِه فاستحيا أَو كرهها تحول من تِلْكَ الْحَالة إلى حَالَة لَا يستحيا مِنْهَا فَإِن الَّذِي لَا يستحيا مِنْهُ ضد الَّذِي يستحيا مِنْهُ
فَإِذا تحول وَاسْتمرّ فَلْينْظر فَإِن اشتهت نَفسه أَن يطلع النَّاس عَلَيْهِ تحول مِنْهُ إلى مَا لَا تشتهيه نَفسه فَإِن الَّذِي تشتهيه ضِدّه فَيكون أبدا فِي ضد مَا تشتهيه نَفسه.
(أبعد النَّاس من الْعدْل)
وَأبْعد النَّاس من الْعدْل أشدهم غَفلَة عَن هَذَا وأقلهم محاسبة لنَفسِهِ وَأبْعد النَّاس من الْعدْل وأطولهم غَفلَة عَن هَذَا أشدهم تهاونا بِهِ
وَلَو عقلت من الَّذِي تراقب ثمَّ تقطعت أعضاؤك قطعا وَانْشَقَّ قَلْبك أوْ سحت فِي الأرض لَكُنْت بذلك محموقا