وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(64)
قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) : الكتب التي كانت من قبلهم؛ لأنهم اختلفوا في كتبهم، فمنهم من بدَّل، ومنهم من غير وحرَّف، فيقول - واللَّه أعلم -: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) أي: في كتبهم؛ لأن هذا الكتاب أنزله مصدقًا لما بين يديه من الكتاب، يبين هذا الكتاب ما اختلفوا في كتابهم، الحق من الباطل.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) أي: في الرسل والأديان وفي الكتاب المنزل عليه، اختلفوا عنه في ذلك كله، يبين لهم الحق من الباطل في جميع ما اختلفوا فيه بالكتاب الذي أنزله عليك؛ إذ فيه أنباء الأمم الماضية، وهو لم يشهدها، ولم يختلف إلى من يخبره عنها ثم أنبأهم على ما كانت، فدل أنه إنما عرف ذلك باللَّه، ومنه نزل ذلك، وفيه دلالة أن الحوادث التي علم اللَّه أنهم يبتلون بها إلى يوم القيامة أنه جعل لهم سبيل الوصول إلى بيانها في الكتاب، إمّا بيان كناية وإما بيان تصريح، حيث قال: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ...) الآية، حيث لم يدعهم في الاختلاف على غير بيان، فعلى ذلك علم أنهم يبتلون بالحوادث التي ليس لها نصوص في الكتاب لا يحتمل ألا يبين لهم ذلك ويدعهم حيارى، لكن البيان على وجهين:
بيان تصريح يعقل بديهة العقل.
وبيان كناية يدرك بالنظر والتأفل والاستدلال.