[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(تابع: التَّشَبُّهِ بِالمَلَائِكَةِ عَلَيْهِم السَّلَام) [1]
للعلَّامة/ نجم الدين الغزي
139 -ومنها: شدة الخوف من الله تعالى مع أنهم على قدم الاستقامة كما يظهر لك من هذه الآية: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) } [سورة النحل: 50] إذا جعلت الواو في قوله تعالى: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} واو الحال؛ أي: يخافون ربهم خوف العبد الذليل المفتقر من الرَّب العظيم المقتدر، كما يفهم من قوله: {مِنْ فَوْقِهِمْ} إذ هي فوقية العظمة والاقتدار؛ أي: هذا شأنهم، والحال أنهم يفعلون ما يؤمرون بفعله على حد المبادرة إلى الامتثال، وعدم التأخر والتأمل بدليل أنه قال: {مَا يُؤْمَرُونَ} , ولم يقل: ما أمروا، فخوف الملائكة مع الاستقامة والجد في الطَّاعة لا مع الانحراف والتقصير؛ ولذلك يقولون لأهل الإيمان والاستقامة: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [سورة فصلت: 31] ؛ فالحالة الجامعة بين الملائكة وبينهم هي الإيمان والاستقامة، وهي سبب الولاية التي بينهم.
وقد أثنى الله تعالى على من تشبه بالملائكة في هذه الخصلة بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [سورة المؤمنون: 57 - 61] .
وروى الحاكم وصححه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت: يا رسول الله! قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [سورة المؤمنون: 60] أهو الرجل يزني، ويسرق، ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله عز وجل؟ قال:"لا، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُوْمُ، وَيُصَلِّيْ، وَيَتَصَدَّق وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَخافُ اللهَ عز وجل".
[1] القسم الأول من هذا البحث مذكور عند قوله تعالى في سورة الأنبياء {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) } اهـ.