فصل فِي التفسير الإشاري فِي الآيات السابقة
قال العلامة نظام الدين النيسابوري:
التأويل: الناس طبقات ثلاث: الغافلون والخطاب معهم بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا. وزخارفها وهم أصحاب النفوس، والعاقلون والخطاب معهم بوعد الثواب لرغبتهم في الطاعات والأعمال الصالحات وهم أرباب العقول، والعاشقون والخطاب معهم بوصل رب الأرباب لاشتياقهم إلى جمال ذي الجلال. فحين قال في الأزل {أتى أمر الله} استعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فخاطبهم بقوله: {فلا تستعجلوه} فإنه سيصيب في كل طبقة منكم ما كتب له في القسمة الأزلية: والله سبحانه منزه عن أن يشاركه في الحكم أحد فلا مبدل لكلماته. {بالروح من أمره} أي بما يحيي القلوب من المواهب الربانية من أمره الوارد على الجوارح بالتكاليف الشرعية وعلى النفوس بآداب الطريقة، وعلى القلوب بالإشارات، وعلى الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات، وعلى الأسرار بالمراقبات للمشاهدات وعلى الخفيات بتجلي الصفات لإفناء الذوات. {على من يشاء من عباده} من الأنبياء والأولياء {أن أنذروا} أعلموا أوصاف وجودكم ببذلها في أنانيتي {أنه لا إله إلا أنا فاتقون} عن أنانيتكم بأنانيتي. {خلق} سموات الأرواح وأرض الأشباح وجعلها مظهراً لأفاعيله. فهو الفاعل لما يظهر على الأرواح والأشباح {تعالى عما يشركون} الأرواح والأشباح في إحالة أفاعيله إلى غيره {خلق الإنسان من نطفة} لا علم لها ولا فعل {فإذا هو خصيم مبين} يدعي الشركة معه في الوجود. والأفاعيل والأنعام أي الصفات الحيوانية {خلقها لكم فيها دفء} لأنها المودعة في جبلتكم {ومنافع ومنها تأكلون} باستفادة بدل ما يتحلل {ولكم فيها جمال} في أوقات الفترات وأزمنة الاستراحات {وتحمل} أثقال أرواحكم وهي أعباء الأمانة إلى بلد عالم الجبروت {إن ربكم لرءُوف رحيم} .