[من روائع الأبحاث]
(فصل: فِي التفسير الموضوعي للسورة كاملة)
قال الشيخ محمد الغزالي:
سورة النحل
ظاهر أن سورة النحل نزلت فِي أخريات العهد المكي بعدما احتدم العراك بين المشركين والمؤمنين، وطال الأمد ولم يظفر الإيمان بنصر يشد أزره، ولم ينزل بالشرك حدث يقصم ظهره!!. وكأن المشركين يقولون للمؤمنين: أين ما توعدوننا به وتنتظرون وقوعه؟ فكان الجواب: كل آت قريب، إن غدا لنظاره قريب:"أتى أمر الله فلا تستعجلوه ...". وما يتحقق وقوعه يمكن الجزم به، وقد انتهى الصراع بين الحق والباطل بهزيمة أخرست الوثنيين وأخضعت أعناقهم .. ! واحتاج ذلك إلى أجل يعده المجرمون طويلا، ويعده القدر قصيرا!. وفى هذا الأجل يجب على المسلمين أن يصبروا دون ارتياب، ولذلك يقول الله فِي آخر السورة لنبيه:"واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون". وقد صابر المسلمون الأيام، وعندما حرت فِي جلودهم الآلام نزلت آيتان فِي هذه السورة تعزيان المسلمين، وتصبرانهم على ما نزل بهم. الأولى قوله تعالى:"والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون". والثانية قوله تعالى:"ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم". والهجرة المقصودة هنا هي الهجرة إلى الحبشة .. وقد أذن فيها للمستضعفين ومن لا طاقة لهم على التعذيب، وقد روى البخارى حديثا فِي هذا الموضوع نسوقه هنا قال: إن أسماء بنت عميس وهي ممن قدم من أرض
الحبشة - إلى المدينة - دخلت على حفصة، فدخل عمر عليهما، فقال لأسماء: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله منكم! فغضبت أسماء فقالت: كلا والله،