ومن لطائف ونكات تفسير ابن جزي:
سورة النحل
«فإن قيل» : قوله (وبالنجم هم يهتدون) مخرج عن سنن الخطاب وقدم فيه النجم كأنه يقول: بالنجم خصوصا هؤلاء خصوصا يهتدون فمن المراد بهم؟
فالجواب: أنه أراد قريشا لأنهم كان لهم في الاهتداء بالنجم في سيرهم علم لم يكن لغيرهم، وكان الإعتبار ألزم لهم فخصصوا، قال ذلك الزمخشري.
(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً)
لما وصف مقالة الكفار الذين قالوا أساطير الأولين: قابل ذلك بمقالة المؤمنين.
«فإن قيل» : لم نصب جواب المؤمنين وهو قولهم: (خيرا) ورفع جواب الكافرين وهو أساطير الأولين؟
فالجواب: أن قولهم خيرا منصوب بفعل مضمر تقديره أنزل خيرا، ففي ذلك اعتراف بأن الله أنزله، وأما أساطير الأولين فهو خبر ابتداء مضمر تقديره هو أساطير الأولين، فلم يعترفوا بأن الله أنزله فلا وجه لنصبه، ولو كان منصوبا لكان الكلام متناقضا لأن قولهم أساطير الأولين يقتضي التكذيب بأن الله أنزله، والنصب بفعل مضمر يقتضي التصديق بأن الله أنزله، لأن تقديره أنزل.
«فإن قيل» : يلزم مثل هذا في الرفع، لأن تقديره هو أساطير الأولين، فإنه غير مطابق للسؤال الذي هو ماذا أنزل ربكم؟
فالجواب: أنهم عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين، ولم ينزله الله.
(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ) ارتفع (حسنة) بالابتداء و (للذين) خبره، والجملة بدل من خيرا، وتفسيره للخير الذي قالوا، وقيل: هي استئناف كلام الله تعالى، لا من كلام الذين قالوا خيرا.
(وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ)
«فإن قيل» : كيف كذبوهم وهم قد كانوا يعبدونهم؟
فالجواب: أنهم لما كانوا غير راضين بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن عبادة، ويحتمل أن يكون تكذيبهم لهم في تسميتهم شركاء لله، لا في العبادة.
(يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا)
أي تحتج وتعتذر.
«فإن قيل» : كيف الجمع بين هذا وبين قوله (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) ؟
فالجواب: أن الحال مختلف باختلاف المواطن والأشخاص. انتهى انتهى {التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي} ...