(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
سورة النحل
{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ... (1) }
فأمر الله لم يأتِ بعد، بدليل قوله: {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} فكان الأصل أن يقال: يأتي أمر الله، ولكن عبر بالماضي مجازًا؛ ليفيد أن هذا الأمر محقق الوقوع؛ فقد شبه الإتيان في المستقبل بالإتيان في الماضي بجامع تحقق الوقوع في كلٍّ، ثم استعير الإتيان في الماضي للإتيان في المستقبل، واشتقَّ منه أتى بمعنى يأتي على سبيل الاستعارة التبعية في صيغة الفعل.
{وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) }
ويكثر هذا الحذف في مفعول المشيئة أو الإرادة الواقعة بعد"لو"، و"إن"ونحوهما من أدوات الشرط. كما ترى في قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}
إذ المعنى: ولو شاء هدايتكم لهداكم أجمعين. فحذف مفعول: {شَاءَ} ؛ لدلالة جواب الشرط عليه، وفي هذا الحذف إبهام يعقبه إيضاح وتبيين؛ لأن المخاطب إذا سمع قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ} تعلقت نفسه بشيء قد أبهم وهو مفعول: {شَاءَ} ، وتطلعت إلى معرفته، فإذا ما ذكر الجواب: {لَهَدَاكُمْ} استبان ذلك الشيء، وعرف بعد أن كان قد أبهم؛ ولذا كان أوقع في النفس وأبلغ وأشد تأثيرًا.
{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ (17) }
فقد جعلهم الله لتماديهم في عبادة غير الله، وتسميتهم لهذه المعبودات آلهة، بمنزلة من يعتقد أن من لا يخلق أحق بالعبادة ممن يخلق، ولذلك جعل من لا يخلق أصلًا في استحقاق العبادة فشُبه به، فكان الأصل أن يقال: أفمن لا يخلق كمن
يخلق، لكن جعل من يخلق فرعًا مشبهًا عن طريق التشبيه المقلوب؛ مبالغة في تصوير جهلهم، وتماديهم في الشرك، وكان الأصل أن يُنكر عليهم جعلهم غير الخالق شبيهًا بالخالق في استحقاق العبادة.
ففي كل هذه الأمثلة نرى أن الغرض من التشبيه عائد على المشبه به، والهدف من ذلك هو المبالغة في اتصاف المشبه به بوجه الشبه، وإيهام أن الوجه في المشبه به أشهر وأقوى منه في المشبه.
ولذا آثر النظم الكريم التعبير بالإذاقة واللباس، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف؛ ليفيد الأمرين معًا شدة الإصابة، وشمولها، وإحاطتها، هكذا ندرك دقة التعبير في النظم القرآني.