ومن لطائف ونكات تفسير السمعاني:
سورة النحل
قَوْله تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : لم قدم الرواح، والسراح هُوَ الْمُقدم؟
قُلْنَا: لِأَن الْمَالِك يكون أعجب بهَا إِذا راحت؛ وَلِأَن الْمَنَافِع مِنْهَا إِنَّمَا تُؤْخَذ بعد الرواح.
قَوله: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : أَي مشقة فِي أَن يركب دَابَّة وطية ويسير عَلَيْهَا من بلد إِلَى بلد مَعَ الزَّاد التَّام وَأمن الطَّرِيق؟
وَالْجَوَاب أَن السّفر لَا يَخْلُو عَن مشقة فِي الْجُمْلَة، وَالثَّانِي: أَن معنى الْآيَة لم تَكُونُوا بالغيه إِلَّا بشق الْأَنْفس، لَوْلَا هَذِه الدَّوَابّ.
قَوْله تَعَالَى: {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) }
«فإنْ قيلَ» : الصَّنَم كَيفَ يكون مَيتا وَلم يكن حَيا قطّ؟
الْجَواب: أَن مَعْنَاهُ: أَنَّهَا كالأموات فِي أَنَّهَا لَا تعقل.
وَقَوله: {غَيْرُ أَحْيَاءٍ} تَأْكِيد للْأولِ، وَقَوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} أَي: مَتى يبعثون؟ «فإنْ قيلَ» : هَل للأصنام بعث؟
وَالْجَوَاب: أَنه قد ذكر فِي بعض التفاسير: أَن الْأَصْنَام تُبْعَث، وَتجْعَل فِيهَا الْحَيَاة، وتتبرأ من عابديها، وَقد دلّ على هَذَا الْقُرْآن فِي مَوَاضِع، وَقيل فِي معنى الْآيَة: وَمَا تشعر الْأَصْنَام مَتى يُبْعَث الْكفَّار؟
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن مَعْنَاهَا: وَمَا يشْعر الْكفَّار مَتى يبعثون؟
قَوله: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : كَيفَ يحملون أوزار الأتباع، وَالله تَعَالَى يَقُول: {وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى} ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: يحملوا ذنوبهم بِحكم الإغواء وَالدُّعَاء إِلَى الضلال؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ:"أَيّمَا دَاع دَعَا إِلَى الْهدى فَاتبع؛ فَلهُ أجره وَأجر من عمل بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء، وَأَيّمَا دَاع دَعَا إِلَى ضَلَالَة فَاتبع فَعَلَيهِ وزرها ووزر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء".