وقال القاضي عبد الجبار الهمذاني (المعتزلي) :
سورة النحل
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) وكيف يكون إنزالهم بالروح وكيف يكون الروح أمرا. وجوابنا أن المراد به ذلك القرآن والشرع كما قال (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) وسمّى القرآن روحا لأنه بمنزلة الرّوح الذي يحيا به أحدنا من حيث يحيا به الإنسان في أمر دينه وأنه يؤدي إلى الحياة الدائمة.
فإن قيل فما معنى قوله (أَتى أَمْرُ اللَّهِ) وهل المراد به هذا الأمر الذي تنزله الملائكة قيل له بل الأقرب في أتى أمر الله أنه الوعيد ولذلك قال بعده (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) لأنهم كانوا يستعجلون العذاب كقولهم (ائْتِنا بِما تَعِدُنا) وكما قال (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ) فبين أن أمر الله قد أتى بالوعيد في الآخرة والله تعالى حليم لا يعجل فلا تستعجلوه ثمّ قال تعالى (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) وعنى به الأحكام وسائر الشرائع التي بيّنها الله تعالى في القرآن وعلى لسان الرسول صلّى الله عليه وسلم ولذلك قال بعده (أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) ثمّ قال بعده (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وبيّن أنه خلق ذلك لكي يؤمن العباد وذلك يبطل قول من يقول خلق بعضهم ليكفروا وكيف يقول جل وعز (تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وهو الذي يخلق فيهم الشرك ويجعلهم بحيث لا يقدرون الا عليه.
[مسألة]
وربما قيل كيف قال تعالى (وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ)
وإنما يخلق ما يخلقه لمصالح المكلفين. وجوابنا أن ما لا يعلمه الملائكة قد يكون صالحا لنا وقد يجوز فيما يخلقه أن يكون نفعا لنا وان لم نعلمه أو نفعا لبعض الحيوان أو تفضلا فلا يلزم ما قالوه.
[مسألة]