قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} : فَسَمَّى الْحُوتَ لَحْمًا، وَأَنْوَاعُ اللَّحْمِ أَرْبَعَةٌ: لُحُومُ الْأَنْعَامِ، وَلُحُومُ الْوَحْشِ، وَلُحُومُ الطَّيْرِ، وَلُحُومُ الْحُوتِ.
وَيَعُمُّهَا اسْمُ اللَّحْمِ، وَيَخُصُّهَا أَنْوَاعُهُ، وَفِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ تَتَشَابَهُ؛ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ لَحْمًا؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَحْنَثُ بِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ لُحُومِ الْأَنْعَامِ دُونَ الْوَحْشِ وَغَيْرِهِ، مُرَاعَاةً لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَتَقْدِيمًا لَهَا عَلَى إطْلَاقِ اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ فِي الْبِلَادِ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ بِتَنِّيسَ أَوْ بِالْفَرَمَا لَا يَرَى لَحْمًا إلَّا الْحُوتَ، وَالْأَنْعَامُ قَلِيلَةٌ فِيهَا، فَعُرْفُهَا عَكْسُ عُرْفِ بَغْدَادَ، فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْحُوتِ فِيهَا، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَى لُحُومِ الْأَنْعَامِ، وَإِذَا أَجْرَيْنَا الْيَمِينَ عَلَى الْأَسْبَابِ فَسَبَبُ الْيَمِينِ يُدْخِلُ فِيهَا مَا لَا يَجْرِي عَلَى الْعُرْفِ، وَيُخْرِجُهُ مِنْهَا، وَالنِّيَّةُ تَقْضِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ.