قوله - جلَّ جلالُه -: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ(19) .
وصف الله جل وعز نفسه بأنه يعلم السر والعلانية؛ ليبين لمن أشرك سوء اختياره في عبادته ما لا يعلم
ولا يسمعِ ولا يبصر ولا ينتصر ولا يخلق (وَهُمْ يُخْلَقُونَ(20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا
يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) . يصلح هذا الوصف لمعبوداتهم ولعبادها.
ثم سرد عليهم قوله الحق جلَّ قوله: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ...(22)
فبين انتظام هذا بما تقدم يقول - عز وجل -: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ذو الأسماء الحسنى والصفات
الكاملة العلي الواحد الأحد بكل وجه وبكل معنى كما قال: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(65)
أتبع ذلك قوله الحق: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ) أي:
للتوحيد والتصديق بالآخرة (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) عن التدبر به.
أتبع نظم ذلك قوله: (لَا جَرَمَ ...(23) . معناها هَاهُنَا: لا بد ولا محالة(أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ)أي: من إنكارهم الحق إذا ما دعوا إليه
تهديد منه ووعيد.
ثم سرد عليهم ما هو في معناه قوله جلَّ قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ...(24) . أي: وإذا
سألهم الأتباعِ (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... (25) . هنا محذوف مقدر
تقديره: أي قيضناهم لهذا القول، وأضللناهم عن الهدى؛ ليحملوا أوزارهم.
قوله تعالى: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ...(26)
من فعل فعل ليس بصالح في اختفاء من الممكور عليه فقد مكر، ولما
كان المستكبر عن قبول الحق مزدريًا بالرسل مستهزئًا بما جاءوا به من عند الله،
وكان ذلك عن كبر في صدره ورفعه منزلة زعم أنها له دون من بذل له النصيحة
عن الله جل ذكره استتبع الأتباع وكايد الرسل، وربما دعا إلى نفسه أتاه الله بالعذاب